حكاية البداية المســــروقــــة
قصـــــص قصــيرة
رجــــب الشلطامــي
إلى عديلي وصديقي...
الأستاذ محمد فرج حمّي ....
رمز الوفاء النادر ....
رضيع الدمار
لقد مللت الاستماع إلى قصتك التي رويتها مراراً عندما كنا نلتقي في سهرات " البراكة " على الشاطئ في ليالي الصيف الهادئة حتى أني حفظتها عن ظهر قلب كما يقولون ولأني لا أريدك أن تعيدها فسأحكيها لك بكل تفاصيلها لتعرف بأنني فعلاً مللت الاستماع إليها فقد كنت دائماً تبدأها هكذا : لم تنس أبداً صورة تلك الأيام ، فقد نحتها أزميل حاد ، عندما كنت تقف بالساعات تحت نوافذ " الكازيرمة توريللي " منتظراً بقايا طعام وفتات خبز الأسرى الألمان وجنود الجيش المرقع حيث يدلقون لك ما تبقى لديهم من شربة وأسلاك المكرونة في جردلك الصدئ وتعود تهرول إلى بيتكم لتجلس وتأكل بجشع ظاهر ما حصلت عليه ، ولقد أصبحت عادتك المفضلة أن تأتي في الصباح الباكر لترى الفرقة النحاسية وهي تعزف خلال تمريناتها في ذلك الشارع الممتلئ بجنود الجيش دائماً وبحكم العادة فقد أخذت تتعلم بعض الكلمات حيث شجعك أحد الجنود على المتاجرة بالبيض الذي كنت تجمعه من العجائز ثم أخذت تعرف كلمات أكثر قبحاً وإشارات النصر المعكوسة . وعندما تتربع شمس الصيف الحارة كانت بشرتك تسير نحو السواد ، ويأخذ شعرك في فقدان لونه الأسود ويصبح رأسك أشبه بنبات الخرشوف الشارف ، وتنعكس حبيبات الملح على الضوء وتظهر خيوط العرق الأكثر بياضاً على جسمك وعندما تشعر بأن ثيابك اتسخت أكثر مما تطيق الكلاب كنت تدفنها في " بئر الكلبة " لغسلها حيث كان يحلو لك العوم في شاطئ البحر قبل موعد نفير الغداء حتى أنه أصبح لزاماً على من تجلس بجانبه أن يفكر عدة مرات ليتأكد أنك لم تدس تحت ثيابك سمكاً اصطيد من أسبوع ، أو أن يجد نفسه مرغماً على عدم ممارسة عملية التنفس .. وفي إحدى المرات فقدت كل ثروتك من تجارة البيض عندما احتال عليك أحد الجنود ولم تستطيع التعرف عليه فطردك الجاويش ، الأمر الذي جعلك ترجم زجاج النوافذ بشكل جنوني . ولأنك تعودت التجارة السهلة فقد صنعت كيساً وأخذت تجوب الشوارع بحثاً عن أعقاب السجائر وبين كراسي المقاهي ، وكان أفضل المواسم لصنعتك شهر رمضان حيث ترتفع حمى " الكارطة " وتحترق الأعصاب بأنواع التبغ الرديء ، وطيلة شغلتك هذه لم تصادفك المشاكل اللهم إلا بضع مطاردات من الحرس البلدي ، وكنت تجيد خلط التبغ حتى تصبح كوكتيلاً غريب المذاق وتلفه بكميات متساوية وتبيعه لأولئك الرعاة الوافدين في موسم الصوف .. غير أن التجار من أمثالك تكاثروا وأصبح من الصعب حصرهم وكانت المنافسة شديدة فمنهم من كان ينهب السيجارة قبل أن تحذف ويهرب لذلك اعتزلت بعد أن جمعت ما يعادل ثلاثة مجارن جيدة المحصول درستها داخل كوخكم الصدئ . وودعت المقاهي لتجرب حظك في الدراسة بعد أن قادك عمك من أذنك مكمداً مؤخرتك بعدة ضربات .. وبقيت هناك سنوات قضيت معظمها في الفناء ولم تستطع يداك أن تتحملا قبلات " مسعودة " الحارة والتي كانت دائماً تحت أبط أستاذ الحساب الذي كان يبحث عن النتيجة الصحيحة فقط فهربت كقط تطارده الكلاب مكتفياً بما حصلت عليه من محفوظات ومسائل حساب استعرت حلولها من التلاميذ .. واستطاع جاركم أن يجد لك عملاً مريحاً فلا أكثر من أن تمسح بلاط مكتب أحد المتعهدين وفي الأيام الأولى بذلت مجهودا خارقا في تلميع البلاط وكنت نشطاً كقرد ، وكان " عرفك " من الطيبة لدرجة أنك ارتبطت به طيلة السنوات التي عشتها معه ثم رفع مكانتك فأخذ يعلمك كيف تكتب بعض الأوراق ورغم رداءة خطك فهو لم يفقد الأمل في أن تكون موظفاً في أحد الأيام .. وكان يشتري لك الثياب المناسبة ويعطيك في الأعياد ما يجعلك تشعر بأنك تعيش مناسبة ما كأي طفل آخر في الشارع . وكبرت .. وكبرت معك المدينة واتسعت أطرافها وامتلأت الشوارع بأعمدة النور والواجهات المضاءة بالألوان ولم تعد تذهب إلى " كاركوز بازامة " فأدمنت السينما .. وعرفت العديد من الزبائن وكونت أصدقاء لا حصر لهم وأصبح صاحب العمل يطمئن إليك في حمل نوع من المسؤولية المحدودة وكان عندما يمنحك الإجازة يهديك تذكرة سفر إلى بلاد ما وتفتحت على دنيا الناس وبهرتك الأضواء الأكثر حدة ودعكت عينيك مراراً لتتأكد من أنك في كامل قواك العقلية ، وهناك عرفت البارات والأماكن المعدة لأمثالك وأخذت تجوب الشوارع كأي مرشد سياحي لدرجة أنه أصبح في إمكانك أن تعرفها وأنت معصوب العينين وامتلأت جيوبك بالكروت والعناوين والمناديل المعطرة واشتريت مفكرة لتكتب الكلمات الصعبة النطق . ثم تعود كثور مشنف ، وما أن تصل حتى تشتم الشوارع الممتلئة بالوحل بشكل دائم ، والسينمات الكريهة الرائحة .. وتلهث خلف أسراب السائحات الوافدات على البلاد بشكل هائل في محاولة يائسة للفوز بواحدة غير أنهن كن يشعرن بأن البصيص في بلد العميان ، سلعة باهظة التكاليف فلم تقع ، ولا ذبابة في شراكك التي كانت كشباك العناكب . وكنت تموت عدة مرات في اليوم عندما تري البعض وقد أخذ يجوب الشوارع بسيارة وبجانبه أحدى الراقصات المحنطات بأدوات الزينة الغالية الثمن في بلد الأرانب الممتلئة بالشبق على نحو دائم . وبالرغم من أنك كنت تحاول أن تقضي بعض السهرات في البارات الموجودة إلا أنك كنت تشعر دائماً بالضياع فتحن إلى الإجازة وتتمنى أن تعيش كل عمرك في إجازة .. ولم تنسك حفلات السهر في " جليانة " لذة العيش في تلك البلدان ، وكنت عندما تبدأ المجموعة في الغناء بعد منتصف الليل تتذكر لحظات الصخب وعويل الخنافس فتجهش بالبكاء ثم تصرخ بشكل مفزع ، وتتجرع أربعة كؤوس دفعة واحدة ، وتنام بعد أن تتقيأ أحشائك وذات يوم تذكرت إحدى قريباتك المريضات ، وحاولت أن تحصل لها على لجنة للعلاج ومزقت حذائك جرياً على المكاتب وفي انتظار الموافقة طفقت تحلم بالسفر ، واشتريت من الهدايا ما يكفي نساء قرية بأكملها ، ولكنك عدت فبعتها بنصف الثمن فقد جئت في الفصل الأخير من مسرحية العلاج في الخارج .. ولأن " عرفك " كان يعرف بأن قريبتك في صحة جيدة فلم يوافق على منحك السلفية بل اقترح عليك أن تستقر وتبحث عن زوجة وجريت خلف جميع الطالبات الممتلئات الأرداف وطلبت من كل أقاربك إرشادك إلى فتاة تشاركك العيش وقضيت شهوراً دون أن تهتدي إلى واحدة تحمل المقاييس والأحجام التي اشترطتها ورفضتك بعض العائلات بأسلوب غير لائق . وأخيراً قرر " عرفك " أن يتقاعد وتنازل عن مكتبه لأحد الناس ولكنه قبل أن يفعل كان قد فكر فيك مراراً لقد شعر بأنك جزء منه ولأنه لم يسمع أحد يناديه بكلمة أبي سواك وشعر بأن لديه من الثروة ما يكفي حفيده الخامس عشر لو كان له ولهذا قرر أن يفتح لك محلاً تجارياً كبيراً ولم يكن بالصعب عليه فاختار المكان وملأ الرفوف بأجود أنواع مطلوب السوق ووقعت له التزاماً بدفع جزء من رأس المال والباقي أهداه لك جزاء الرفقة الطويلة .. وعاد " عرفك " إلى سريره لينام وقد شعر بأنه أزاح حملاً وشارك في تكوين حياة إنسان بمستوى طيب . وكان أول شيء فكرت فيه القيام برحلة لجلب بضائع أخرى وعشت عدة أشهر كما تعيش الأرانب في الحقول الجيدة العطاء وعندما عدت اكتشفت بأنك نسيت أسماء البضائع التي تريدها . وأخذ تليفون المحل ينقل لك الأصوات الهامسة وانهالت عليك المواعيد بشكل مدهش حتى أنك نسيت كم ساعة في اليوم ، ومن التليفون إلى دعوة بالمجيء للمحل ، وكنت كريماً بشكل لم تألفه في السابق فلم تكن تستطيع أن تقاوم إغراء المواعيد المنتظرة وتلف البضاعة مع ابتسامة رجاء في قبولها كهدية من المحل : وأخذت قائمة الديون المعدومة تطول .. وازداد قلق الفئران فهي لم تعد تجد حاجتها من الجوارب النايلون والملابس الداخلية فهجرت المحل .. وتذكرت بأنك تنسى أن تضع طوابع البريد على مظاريف التوصيات .. ولأنك لم تفز بأي موعد حقيقي أو لقاء دافئ فقد يئست حقاً وكنت قد اكتفيت بالتعرف على جارتكم ذات الصدر الكبير من أثر القرص وأنياب الجرذان وزوجها السابق وسبحت معها في المواعيد المترفة القبح وأخذت تتسلل في الليل من منزلكم وتتسلق أحد أعمدة النور المطلة على بيتها وتندس معها في السرير العبق برائحة القرنفل والحنة ومع خيوط الضوء الأولى تعود كالسارق إلى سريرك وتنام مع الذكريات .. وعشت معها ستة أشهر وفي إحدى المرات التقيت بشقيقها وكان عائداً عند الفجر يترنح واستقبلك باللكمات الحادة وشعرت بالموت يقترب منك مبتسماً في سخرية وليست لديه الرغبة في أخذ روحك ثم حملك أخوها على كتفه ورماك أمام المنزل ولأنه كان يخشى الفضيحة أو هكذا فلم يزد على إنذارك بأنه سيقتلك في المرة القادمة .. ولكنك لم تتب فعدت بعد أيام بعد أن أرسلت لك البخور مع الرياح القادمة من سرير الحرمان البارد وعدت إليها مواصلاً رحلتك عبر صدرها المنفوخ . وفي إحدى الليالي الدافئة همست في أذنك بأنها تحس بشيء يتحرك في أحشائها وذعرت كفأر وأرت أن تقف لتهرب ولكنها طمأنتك بأن لديها الحل فلا تخش أحد وشعرت بنوع من الراحة ولم تستطع أن تبتعد عنها فلأنك دائماً عطشان فلا تستطيع أن تهجر بئرها الممتلئ بالماء على نحو فائض . وجاءها الطلق على غير موعد وكان طفلاً حاد الصراخ وبكل غباء ـ أو مكر نسائي ساحر ـ لفته في خرقة محكمة ووضعته عند الفجرأمام بيتها ومرت الدورية وجاء التحقيق واكتشفت المسرحية ببساطة وهمس دعاة الخير في أذنك بأن عليك أن تتزوجها أو تختفي عدة سنوات ووجدت نفسك غارقاً حتى شوشة رأسك الذي بدأ يشيب وقالوا لك " مبروك " دون أن ترتفع زغرودة واحدة وباختصار وجدت نفسك محملاً بالديون والمشاكل كأقوى جمل ولم يكن في إمكانك أن تفي بالتزام " عرفك " وسكرت حتى أخر يوم في شعبان ولكنك صحوت ووجدت نفسك مرغماً عل إيجاد الحل فهرولت إليه طالباً مشورته .. ولكنه لم يفعل بل ابتسم في هدوء وقال : إن ما يمكنني أن أفعله أن أعفيك من الالتزام نحوي . وأخذت تبكي كامرأة عاقر ولكنه لم يتأثر وعاد يقرأ في كتابه .. لحظات ثم رفع عينيه نحوك قائلاً : عفواً يظهر أنك لا تصلح أن تكون شيئاً ما دون أن تغسل نفسك بالعرق مراراً واعتقد أن عليك أن تعود إلى مسح المكاتب من جديد .. أو عد إلى " بئر الكلبة " فهناك يمكن أن تجد الحل .
جريدة الحقيقة 18 يناير 1969 العدد 999
سنارة المرارة
الاسطوانة تدور بنغمات خفيفة هادئة تخدر الأعصاب طلباً للراحة في استرخاء مغر ، بينما كان يهز وسطه في رقصة إعجاب وموس الحلاقة يحصد عن وجهه الشعر المغطى بصابون كالثلج .. ومع النغمات التي تكون أكثر حركة ينبعث من الحمام صفير خافت .. وبعد الدوش الكامل خرج ، وكانت الاسطوانة قد انتهت وسقطت أخرى أكثر حيوية ، ورمى بالمنشف على ظهر الكرسي وأخذ يصفف شعره بحركة راقصة ثم لبس ثيابه .. وجلس قليلاً .. ثم ذهب إلى الثلاجة وجاء بقوالب من الثلج وضعها في كأسه وملأه حتى نصفه وأخذ يحركه بنشوة ثم جرع منه وأغمض عينيه مستنداً إلى الخلف وزفر بهدوء وأخذ حذاءه يصدر إيقاعاً موازياً للاسطوانة التي مازالت تدور . كانت شقته جيدة الأثاث حديثة البناء غير أنها تفتقر للتنظيم الأمر الذي يجعلها مملة بشكل لا يطاق لولا بعض المسليات التي وفرها بكثرة حتى لا يشعر بوحشة الوحدة والفراغ المطبق ، فلو أنه مقيم بمدينة أهله لهان الأمر نوعاً . وأخذ يتذكر كيف كان يعيش أيام زمان أيام كان طالباً في تلك البلاد الباردة الجو طيلة الوقت ورغم ذلك لم يكن يشعر بمرور الوقت .. أه .. وتلك الأيام المرحة التي قضاها مع صديقته " سلفيا" في رقص ورحلات أسبوعية زارا خلالها المتاحف والمكتبات الممتلئة بأروع ما كتب الإنسان واستمعا إلى الفرق الموسيقية العالمية .. وشعر بضيق عندما أخذت الاسطوانة تسير نحو الهدوء الأكثر فجرع كمية أخرى كأنه يريد أن يزيل سحابة تحجب عنه الرؤية .. وأغمض عينيه ليعيش من جديد في ماضيه الطيب عندما سقطت الاسطوانة الثالثة وكانت موسيقى لأغاني فيروز تعزفها فرقة إنجليزية حتى ليشعر المرء وكأن له أجنحة يطير بها إلى أعلى دون أن تعوقه رياح معاكسة .. ومر وقت ثم أخذ يتصفح إحدى المجلات وهو ينظر إلى ساعته ، وعندما توقفت الاسطوانة نهائياً ، مد يده فأغلق الجهاز ونظر في جميع أركان الشقة وهتف بصوت مسموع : • أه .. خلاص .. بعد اليوم ستمتلئين يا شقتي العزيزة بالحركة .. سوف يعود إليك النظام وتكونين بمثابة الجنة التي ودعتها هناك .. أه .. سأعمل وبكل جهدي لأخلق منك ولو بعض حديقة لتلك الجنة . ثم وقف وهو ينظر إلى الثياب المكدسة في إهمال ظاهر وقد اختلطت الأشياء ببعضها حتى كان من الصعب التمييز بين الجوارب والمجلات .. ثم أخذ يجمع الملابس ويكومها ثم قسمها ولفها بالجرائد ليذهب بها إلى المكوجي .. وفي لحظات حاول أن يرتب بعض الأشياء .. ثم تحسس جيبه بحثاً عن مفاتيح سيارته فوجدها وقد دخلت وسط طيات منديله ثم نظر إلى ساعته فوجد أن لديه متسعاً من الوقت فشرب بقية الكوب المثلج ووضع رزماً من الملابس تحت إبطه ونزل إلى سيارته بعد أن تأكد أنه قد حمل ملابسه التي تحتاج إلى الغسل ، وأدار المحرك . على طول الطريق كان يحدث نفسه وصوت الموسيقى يضفي عليه نوعاً من البهجة التي يعيشها .. أوه .. خلاص لقد صبر كثيراً لقد انتظر طويلاً أن يتلقى رداً على إعلانه الذي نشره مراراً على صفحات الجرائد ، دون جدوى .. وعندما كاد ييأس تعلق بخيط من الوعد الدافئ الذي قد يحل مشكلته .. اليوم فقط .. وجد الشيء الذي ظل يبحث عنه زمناً ليس بالقصير ثم أن الشروط التي وضعها جاءت مطابقة ، كما قال له زميله ، ثقافة واسعة وحب للموسيقى وخبرة ثم أنها من ذلك البلد الذي يستطيع الإنسان أن يجد فيه كل طلباته متوفرة دون عناء . وابتسم للفكرة التي اختمرت في ذهنه .. فحين عودته من بريطانيا بعد انتهاء دراسته كان عليه أن يفتح مكتباً للعمل الذي تخصص فيه .. ومرت شهور كبداية للتكوين ثم أخذ العمل يتسع بالتدريج وأصبحت الطلبات ملحة بشكل يرهقه وترهق معه الطباعين الذين يشبهون صوت " القاطر " في طباعتهم وشعر بأن كل وقته يضيع في العمل وبأنه في حاجة إلى نوع من الهدوء ولم تكن العطلة الأسبوعية تكفيه .. ثم أنه لا يستطيع أن يغيب عن مكتبه في إجازة طويلة فهو أحياناً مضطر لأن يقضي نصف عطلة الأسبوع في إنجاز عمل مستعجل ، وعندما يعود في الليل لا يستطيع أن ينام أو يشعر بدفء السرير إلا بعد أن يسبح مع خمسة كؤوس مبردة بقوالب الثلج ويسرح مع اسطوانته وبعض المجلات وعندما يثقل جفناه يسافر مع أحلامه في رحلة نوم هادئ . ولكنه بعد اليوم وبالذات بعد ساعات قليلة سوف يودع دنيا الملل الكئيبة التي يحياها في شقته وسيحاول أن يعيش جزءاً من حريته التي عاشها هناك . أوه .. ما أروعك يا صديقي لقد جئتني في الوقت الذي أكاد أشعر فيه بالموت خنقاً . لقد فشلت كل مساعيه في الحصول على سكرتيرة للعمل معه تملأ عليه المكان بأريجها العطر وصوتها العذب .. لقد نشر ما يقرب من خمسين إعلاناً دون أن يظفر بجواب .. يا لهذا البلد المجدب دوماً .. ليتني كنت هناك حمالاً .. غير أنه في إحدى الجلسات وعلى غير سابق حديث كان يحكي لأحد زملائه الأجانب كثرة العمل القاتل ومحاولته الحصول على سكرتيرة تساعده .. وفكر الزميل ثم وعده بالمساعدة ، فهو يعرف واحدة تبحث عن عمل لملء فراغها وعندها من الميزات الحسنة أكثر من المطلوب . وفرح عندما أخبره اليوم أنها لم ترتبط بأي عمل أخر ولهذا حدد معه موعد اللقاء لبحث شروط التعيين . أوه .. أنه سيوافق دون شرط مادامت مثقفة وتحب الرقص . فهو سيعرف إذن من أين يقضم التفاحة بعد أيام قليلة .. أنه سيكون في منتهى السعادة بعد هذا الحرمان الجائع . وصعد السلم في نشاط رياضي وفتح باب المكتب وأخذ ينظم مكتبه والملفات والكتب النائمة بجانبه ولم يعجبه ترتيب صالون الجلوس فأعاد تنظيمه وهو يحك يديه طرباً وبهجة ... سيكون مكتبها هنا ليملي عليها الرسائل قطعاً ستكون طباعتها موسيقية بشكل مفرح .. أوه .. الساعة الآن تقترب من الموعد فبعد نصف ساعة سيكون للمكتب شكل آخر .. لا يهم المرتب سيدفع طالما هناك مؤهل يستحق .. جاء الموظفون وأخذ يوزع عليهم الأعمال طالباً الدقة في إنجازها والسرعة على نحو لم يألفوه من قبل. وعندما أرهف السمع كان صوت زميله قد جاء من بعيد يسأل البواب عنه ، ولم يتحرك حتى لا يظهر عليه شوقه الظامئ .. ومن باب احترام قاعدة " السيدات أولاً " فقد أخذ زميله يفسح الطريق للسكرتيرة الجديدة . يا الله .. قالها وشعر بنفسه يغوص في مقعده والدم يصعد إلى وجهه واحمرت أذناه .. حتى خيل إليه أن حريقاً قد شب فيهما وأخذ يصارع رغبة ملحة في أن يطير من الحجرة .. ووقف ومد يده المرتعشة ليسلم عليها .. وسمعها تبادره مبتسمة بلغة عربية ركيكة : • أهلاً بيك يا فندي ... دا أنا أسعد إنسانة بالتعرف على حضرتك . وعندما جلس أخرج منديله ليمسح العرق الذي بدأ يطفو على جبينه وأحس بأن حرارته ارتفعت ولم يعد يرى الأشياء بوضوح وأخذ رأسه يدور وكأن جميع منبهات السيارات المارة في الشارع قد ركبت داخله .. ثم أخذ يعيد هدوءه وفقاً للموقف .. ورحب بكلمات لم يعرف كيف نطقها وهل كانت في محلها أم لا . وبدأ زميله عملية التقديم مشيداً بخبرات صديقته التي كسبتها طوال السنوات التي قضتها في عمل السكرتارية .. ثم مد له كومة من الشهادات وعندما أخذ يتصفحها وجد أن تاريخ ميلادها قبل أن تلده أمه بعشر سنوات .. وراح يقلبها واحدة تل الأخرى وهو لا يعرف ماذا يقول فلقد أنكسر زير أحلامه وتبددت وسط الصحراء .. وأخذ يصارع رغبة ملحة من جديد في الغثيان وشعور بمرارة الخيبة .
جريدة الحقيقة : 25 يناير 1969العدد 1005
العيش مع الذكريات أنت نشأت كصغار القطط منذ أن حملت رأسك على كتفيك ، حيث أقسم والدك بالطلاق على أن لا يرى وجه أمك بعد اليوم . . وأقسمت بدورها بأنها لن تعود مرة أخرى ولو ذهبت إلى الجحيم ، وأخذتك معها غير آسفة على فراقه . . وكبرت كما تكبر الفئران تماماً ، وأشار قريبكم الطيب على والدتك بأن تدخلك المدرسة لتتعلم حروف الهجاء . . وفعلت وهي تصارع رغبة إدخالك الكتاب لتكون فقيهاً تقرأ الفاتحة على روحها يوم تموت .. وعشت ثلاث سنوات مع التلاميذ كنت تنجح دائماً من العشرة الأوائل . وذات يوم وقف والدك الذي كان قد نسى أن له ابناً طيلة التسع سنوات . وقف على باب المدرسة واختطفك دون أن يستأذن ووضعك وراءه على ظهر جواده وذهب بك دون أن تعرف إلى أين . . كان يحدثك عن العقاب الفظيع إن لم تسمع كلامه وأنه قد أعد لك قبراً في البيت ليدفنك فيه إذا تحدثت عن والدتك وقال لك كلاماً كثيراً لم تنتبه إليه لأنك كنت تبكي على نحو دائم حابساً صوتك حتى لا يبدأ عملية التعذيب . وعشت وسط جو الإرهاب مع زوجته السليطة اللسان والسوط السوداني الذي لم يشبع إطلاقاً من لحمك في كل مرة كنت تسأل فيها عن أمك ، ثم كان عليك أن تذهب معه وسط الظلام حيث مقطع الحجارة المهجور خلف المقبرة وتنتظرون مجيء سيارة " الكنترة باندو " ليشتري والدك ما سرقه جنود الإدارة العسكرية من سكر وشاي ودخان وكل شيء مقابل أوراق نقدية أو مقايضة بالبيض ، ولم تكن تعرف لغة الجنود ، كان والدك يقول إنهم " قرنقة " أو " سود أفركه " ويأخذك الخوف بشكل قاتل عندما تبدأ سياراتهم في التحرك ، فقد كان والدك يحذرك بأنهم أحياناً يطلقون النار على من يتعامل معهم ويعودون لسرقته مرة أخرى .. غير أنه كان دائماً يبدأ بالحديث معهم بتهديدهم بأنه يمتلك صندوقاً من " الرومان " أو بالأصح القنابل اليدوية ويخرج لهم عينة من الرمان المدسوس في جيبه باستمرار . . وتذكر تماماً أنه في إحدى المرات كان يتعامل معهم بيد والأخرى ممسكة بالرمانة استعداداً لنسفهم عن الطلب ، حتى أصبح مشهوراً بينهم ، ولم يحاول أحدهم ذات مرة خيانته . . وإن كانوا في بعض الأحيان يسقونه مقلباً فيبيعونه كيساً من الرمل على أنه سكر ، غير أن هذا كان يحدث في الصفقات الكبيرة ، وكان دائماً يخبرك بأنه هو الرابح رغم كل شيء ، فهو أيضاً كان يقايضهم بالبيض الفاسد . ولكنك لم تستطع أن تصبر ، فقد كنت تخاف أشباح المقبرة ، ويزداد خوفك عندما يكلفك بحمل جزء من البضائع وحدك ، فما أن تصل حتى يكاد يغمى عليك ، وتتيبس لثتك وتعجز عن تحريك لسانك ، وكنت تسمع ضربات قلبك مختلطة بخطوات الحمار الذي تركبه وسط الهدوء ، حتى يخيل إليك أن هناك من يتبعك بشكل مطرد . وذات ليلة قررت أن تهرب مهما كلفك ذلك لأنك تريد أن تعود إلى أمك وإلى الشارع الذي عشت فيه ، وتعود إلى الفندق تنصب الفخاخ للطيور ، وتبحث عن أعواد القصب الطويلة تطارد بها الخفافيش في محاولة لسحر ابنة جاركم وتريد أن تعود إلى المدرسة ، وإلى كتابة الحروف من جديد على الحائط لأنك بدأت تنسى رسم ومعاني الكلمات ، فقد كان والدك يقول لك المهم أن تعرف تكتب اسمك فهذا خير من أن تضع إصبعك على الأوراق . . فهو كان يريدك أن تكون رجلاً قوياً ، تكون كالحصان تماماً تتبول وسط الميعاد عند الحاجة فهذا ما يريده وأن تكون رجلاً قاسياً تحافظ على أرض أجدادك متصمداً بعمامة صفراء وتقسم بالطلاق عدة مرات في اليوم . وهربت . . وكانت أمك في انتظارك .وكأن هاتفاً أخبرها. وفرحت وبكيت ولأول مرة بصوت عال ودخلت مع أنفك رائحة تشوقت لها كثيراً . . وأكلت بشكل مخيف وسط العبرات ويدها تمسح شعرك ، ووجدت كتبك كما هي بعد أن أحضرها أقرانك يوم خطفك . . وكنت قد كبرت بالقدر الذي تستطيع أن تعمل فيه صبي حلاق أو في مقهى أو في أي عمل تكتسب منه درهماً . . ولكن أمك بدأت تصنع لك أطباقاً من الرغيف لتذهب بها إلى السوق . . كان شبح والدك يطاردك فتخاف أن يصطادك من أحد الشوارع ولكنه لم يفعل فقد تعب من ضربك ووجدك عنيداً ، ولهذا لم تعد تندم على ذلك . وذات يوم أخبرتك أمك وهي تنتحب أن والدك قد مات . . وشعرت بأن ثقلاً أزيح عن ظهرك . . وتعجبت من بكاء أمك التي حدثتك عن السبب فأنت في عالم يجب أن يحرسك فيه شخص ما ولو من بعيد غير أنك لم تستسغ هذا إطلاقاً .. حتى جاء يوم وضربك فيه ذلك الشرطي الذي كان يبحث عن لص هرب منه وكنت أنت تغني في الشارع مناجياً القمر ، مما زاده غيظاً ورأته والدتك وصرخت فيه وأعطته من اللعانات ما يعجز الشيطان عن حصره .. ثم ذهبت بك إلى مركز الشرطة ، وهناك أخذوا يسخرون منها بشكل مزر وهم ينظرون إلى عينك التي كانت تشبه التفاحة الفاسدة وكانت تصرخ فيهم أن ابني مظلوم وأريد أن أرفع شكوى إلى رئيس مركز الشرطة ، فأجابها أحدهم بأن عليها أن ترفع " قربة" ثم طردوها . . وعادت تبكي . . وشعرت أنت منذ ذلك اليوم بمعنى الظلم وبمعنى توفر الحماية . . وعدت تجلس على الرصيف وأمامك طبق الأرغفة تصيح كالخروف . . ولقد بدأت تخاف الأولاد والمشاجرات وتخاف ابن الحرس البلدي القريب من منزلكم . . وحدثتك والدتك كثيراً في ليالي الشتاء وأنت تطلب الدفء من الوعاء المتوهج عن بعض جيرانكم الذين كانوا في " الشناوير " زمن الطليان . ومع الأيام أخذت تكبر رغم أنف الظروف وكبر عقلك وأصبت بالقراءة وأحببت الكتب ، وكنت تستعيرها ممن توفرت لديهم ، وسخروا منك لأنك من أولئك الذين يبحثون عن القيم الإنسانية وأنك على استعداد لأن تهب رأسك للسياف من أجل ذلك . وقررت ذات مرة أن تهاجر وتعيش بعيداً ، فقد كانت حكايات ليالي الشتاء دائماً أمام عينك حتى أنك لم تعرف في أي زمن أنت تعيش . . غير أنك طردت فكرة الهجرة احتراماً لشعور والدتك .. ثم ماذا ؟ في مساء ذات يوم ودعت والدتك الدنيا وبكيت رغم وقارك كطفل بائس .. ودفنت معها ذكريات جميلة وجزء من تاريخ حياتك . وجاءتك فكرة الهجرة من جديد وبشكل حاد . . ولكنك قبل أن تحدد بالتمام اختفيت مدة من الزمن ـ دون أن يعرف الطير مكانك ـ وحاول بعض الناس الغلاظ الشداد أن يعلمك خلال تلك المدة كيف تنطق الكلمات المناسبة ، ولكنك كنت عنيداً . ثم خرجت ذات صباح ممطر لتعود من جديد لدينا الناس الواجمين وقد ازددت بشيء من الإيمان بالهجرة وبدأت تحلم بالعيش في العالم البعيد . ولكن لم تفعل ذلك تماماً ، فأنت من النوع الذي لا يطيق البعاد عن موطن الذكريات . الحقيقة 8 فبراير 1969 العدد 1017
إنما الصبر حدود
في لحظة يأس مفرط أغلق على نفسه الحجرة ، وقرر أن يعتصم بها حتى ينتهي من الفكرة التي تلح عليه بشكل منذ وقت .. ثم جلس على الكرسي وأمامه منضدة مرصوصة بالكتب بغير انتظام ، وأخرج علبة السجائر وبعد أن أشعل سيجارة أخذ يمسح بنظره من خلال سحب الدخان جدار الحجرة .. ثم زفر بعد أن توقف بصره على جهاز الراديو الصغير الذي كان نائماً على سريره .. وأحس برغبة في أن يستمع ولو للحظات إلى أي نوع من الموسيقى فربما أبعده ذلك عن فكي القلق الذي يطحنه ، ولكنه عاد فأغلق الجهاز بعصبية عندما سمع إحدى الأغاني التي تتحدث عن مزايا استعمال الصبر في حالات الفشل ، وزفر بغضب وبصوت مسموع :
• أف .. كلام فارغ .. الصبر .. الصبر .. فقالوا .. يا صبر صبرني ومرت لحظات رتيبة والدخان يتصاعد في كثافة .. وعاد ببصره مرة أخرى وشعر بأنه ما زال يملك حزمة من الكلمات الطيبة ويملك كنزاً من الحقائق البالغة الدقة ، وهو ككاتب يعرف كيف يجذب الناس لتستقر في أعماقهم كلماته الرقيقة .. وهو يعاني من الآلام ما يكفي ، فلقد امتلأ حتى حافته ، ولا يمكنه أن يتحمل أكثر ، وشعر بأن صمته هذا لا يكفي فهو يريد أن يكتب ، ولا يكفي أن يحتفظ بالكلمات الحقيقية في صدره ويردد تلك الجمل الجوفاء .. ومد يده إلى الدرج فسحب منه رزمة من الورق ، وأخذ القلم ، وتلفت يميناً وشمالاً لعل شبحاً تسلل عبر الشقوق ، وهنا تجمدت يده وهربت الكلمات البالغة التأثير وتزاحمت الصور ولم يعد يعرف عن أي منها يبدأ الحديث ، ووقف متجهاً نحو النافذة في محاولة لتجديد الهواء ، وعندما لفحت النسمة وجهه كان قد شعر بأنه خاف تماماً .. خاف تماماً وهو الذي كان منذ لحظات يفكر في أن يكتب موضوعاً صريحاً .. وعادت به الذاكرة إلى الوراء .. وتذكر كيف كتب ذات مرة موضوعاً يطالب فيه أحد الناس بأن يكف عن إزعاج المواطنين بخطورة إهماله ترك خزانات الوقود مفتوحة الأمر الذي يجعلها سبباًَ في أن نفقد مجموعة طيبة من الآدميين عند حدوث أي خطأ ، وتذكر تماماً تلك العضلات المفتولة التي استقبل بها ذات ليلة ، وتمنى في ذلك اليوم لو كان تعلم الملاكمة قبل أن يتعلم كيف يمسك القلم . وترك النافذة وعاد ليجلس من جديد وهو يشعر بالرغم من ذلك بأنه ما زال يحب الكتابة ، ومزق الورقة التي كان قد بدأ فيها كتابة موضوعاً ما .. وعندما أشعل سيجارته أحس بأنه قد نسي شيئاً لم يحضره .. فاتجه نحو الخزانة وأخرج منها ما يعطيه الشجاعة ، وبدأ لعبته المعتادة وأخذ يعب من الماء الخفيف الحمرة ، لحظات ثم وجد أنه في حالة أحسن وأنه على استعداد الآن لأن يكتب ما يريد ، فلقد انفتحت الكنوز وتحولت الضباع إلى قطط .. لقد كانت تلك الزجاجة بمثابة حيطة الصبر التي خرفته عنها جدته مراراً عندما كان طفلاً ونام على حديثها في حجرها الدافئ .. وابتسم عندما عادت به الذاكرة إلى حيطة الصبر .. وبدأ يسمع من بعيد وهو سابح مع الماضي .. وأخذت الصورة تطفو على جناح خياله : يحكى أنه كان لأحد الناس صبية جميلة وطيبة أيضاً ، أراد والدها أن يعلمها فأرسلها إلى الكُتاب ، كانت ذكية بشكل نادر تماماً ومواظبة على الحضور . وذات يوم جاءت قبل الموعد الذي تعودت الحضور فيه ، ووجدت الباب مفتوحاً نصف فتحة فدخلت خلسة .. ولقد هالها ما رأت .. أيمكن لهذا الإنسان الممتلئ علماً أن يفعل هذا ؟ .. وخرجت مهرولة دون أن تنبس بكلمة .. ولم تصرخ كعادة النساء .. وما أن بدأ الطلاب يتوافدون حتى جاءت بكل هدوء وجلست في مكانها عندما خرج الطلبة انفرد بها المعلم وسألها .. وكان يعرف تماماً أنها رأته .. سألها عن ماذا رأت في الصباح : • لا شيء يا سيدي . • أذهبي في حفظ من الأشرار وداومت على دراستها حتى كبرت وتزوجت ، وكانت قد نسيت تلك الحادثة التي رأتها ذات يوم .. ورزقت بمولود ها الأول وعندما بلغ الثالثة وكان يجلس في حجرها ذات يوم انشق الحائط فجأة ودخل ذلك الإنسان يتهادى وأمسك بطفلها وخرج به من نفس شق الحائط بعد أن قطع إصبعه وشوه بدمه وجهها .. وقد كانت تنظر إليه في هلع .. ولم تصرخ أيضاًً .. وعندما جاء زوجها أخبرته أنها أكلت طفلها ولم تترك منه إلا إصبعه .. وصمت الرجل فماذا يقول وقد أكلت الأم ابنها .. وجاء الطفل الثاني ، ولكن في غفلة انشق الحائط ودخل منه نفس الإنسان يتهادى وشوه وجه الأم وخرج .. وقدم الثالث وانتقلت الزوجة إلى قصر أخر .. ولكن ماذا تستطيع أن تفعل وقد انشق الحائط وجاءها خاطف أولادها .. ولم يفدها الألم وزاد حزنها صبر زوجها .. وكان موسم الحج على الأبواب فلم تجد بداً من أن تطلب من أحد الحجاج أن يأتي لها بحيطة الصبر . وذات ليلة أغلقت على نفسها الحجرة وأخذت تناجي " الحيطة " وسردت عليها قصتها منذ أول يوم دخلت فيه خلسة على المعلم فوجدته يأكل أحد الأطفال وقد امتلأت ثيابه بالدم ..وكيف أنها كتمت في صبر كل تلك السنوات ، وكيف اختطف أول أولادها والثاني والثالث وأنها لم تعد تطيق أكثر من ذلك . ومرت لحظات ، فقد كانت مهمة حيطة الصبر أن تستمع إلى الشكوى وفي أخر كلمات الشكوى ترتفع وتسقط على رأس مناجيها فيموت دون أن يشعر بحرارة فراق الدنيا ، غير أن شيئاً من هذا لم يحدث ، وقد زادها ما رأت خوفاً .. فقد رأت الحيطة تتشقق في هدوء فقد كان ما سمعت أكثر مما تطيقه الحيطة نفسها .. وعرفت المرأة رغم خيبتها أن الصبر لا يجدي ولا حيطة الصبر ذاتها تحل مشكلتها .. وعليها أن تكتشف طريقاً . وأخذ يبتسم وهو يمسك بالزجاجة من عنقها .. وشعر بأنه ما زال يملك حزمة من الكلمات الطيبة ، وبأنه يعاني من الآلام ما يكفي ، وله خزان من الصبر الجيد الصناعة يكفيه لسنوات ، ومع ذلك فإن الصبر سيقتله حتماً ذات يوم إذا كان كل همه أن يتزود بالصبر . وأمسك بالقلم ونامت يده على الورقة البيضاء وأخذ في الكتابة ويده الأخرى ممسكة بسيجارة يتصاعد منها دخان كالسراب في أسلاك خفيفة البياض تتكاثف بالقرب من قمة رأسه ، مرت لحظات ، ثم أخذ يعيد قراءة ما كتبه : هناك فرق بين الجندي الذي يحارب عن عقيدة وإيمان بالحياة والحق ، والجندي الذي اقتيد وهو معصوب العينين وينتظر في صبر أمر إيقاف النار .. لماذا ؟ لأن الثاني فطمته أمه بالصبار المزروع في المقابر المهجورة ولأنه تعلم عن والده أن الصبر مفتاح الفرج ، ولقد أفقده طول الانتظار كل المعاني فهو لم يتعلم كيف يتخطى الحواجز المقامة أمامه مطالباً بحقوقه في أن يقول رأيه في المعركة لأنه دائماً شاة من قطيع فلا يستطيع أن يقول لذلك المسئول الذي زرع العار على أهدابه ويعتمد في خططه على كواكب المنجمين : نحن أكثر حماقة فعندما كسبنا الرأي العام ذات مرة وأصبحت تنهال على رأس عدونا ضربات العالم من كل صوب، كنا نحن يا سيدي نرتكب حماقة أكثر فخسرنا ما كسبناه. وتوقف عن قراءة ما كتبه .. وقلب الزجاجة على فمه مستعيراً منها بعض قطرات فقد وجد نفسه بأنه كان يردد كلمات سبق أن استهلكت مراراً حتى فقدت معناها .. وزفر بقوة : • أف .. كلام فارغ .. لقد قيل هذا منذ ذلك اليوم الذي كشف عوراتنا .. فماذا استفدنا ؟ وبعد أن مزق الورقة ورمى بها وسط الحجرة وقف واتجه نحو النافذة .. وأخذ ينظر إلى الحركة الدائبة في الشارع .. فترة من الزمن ثم عاد وجلس مرة أخرى .. فهو لا بد أن يكتب أي شيء وإلا فلن يقبض مرتبه عن هذا الشهر .. فلا بد أن يكتب ليعيش .. وعاد من جديد في محاولة لإيجاد أي موضوع . • أه .. ذلك الأعور الحيوان حسناً .. إنه مادة طيبة فعلاً . وأخذ يحدث نفسه وهو ممسك بالقلم .. الواقع أن الهزيمة في داخلنا .. إنها من فعل أيدينا فنحن لا نجيد صناعة متقنة إلا الشتائم والسخرية ولا نجيد إلا صناعة كلمات الصبر نخطها بأشكال عجيبة ونزين بها جدران حجراتنا لنفتح عليها عيوننا في الصباح وتلتقط أسماعنا منذ الفجر الأغاني المتحدثة عن مزايا استعمال الصبر لإزالة الآلام وتذكر الأغاني .. فأتجه نحو جهاز الراديو فقد يجد من الموسيقى ما يعطيه الهدوء للكتابة . وعندما جلس أمسك بالقلم وبدأ في حديثه عن موشيه دايان قائلاً له : • الويل لك أيها لأعور .. يا صهيوني .. يا خبيث النية ،، يا قليل الصبر .. والنصر لنا غداً . وإن غدً لناضره لقريب !!
جريدة الحقيقة 22 فبراير 1969 العدد 1029
عندما يحدث العكس ..
مع أذان العصر كان باب الشقة يفتح بين لحظة وأخرى ليستقبل إحدى الزائرات .. وما أن ألتم شمل المنتظر قدومهن حتى بدأ بخار شاي العصرية يتصاعد مصحوباً برائحة البخور .. وتعالت أصوات الضحكات .. لقد دعت صاحبة الشقة بعض نسوة العمارة التي تقطنها .. فطلبت المرأة من ابنها أن يأتي لها بكل متطلبات الضيافة اللائقة ، ولم تنس المرطبات بالرغم من أنها عادة جديدة لم تنتشر بعد .. وأحس الابن بثقل وزن هذه الزيارات التي أصبحت تزيد . كانت الفتاة تلف في الحجرات وبين المطبخ لإعداد اللازم .. وفي هذه الأثناء اقترحت إحدى المدعوات وضع اسطوانة لترقص عليها فهي مشتاقة جداً للرقص .. وفجأة انقلب الضحك إلى صفيق حاد وشطح كالعرس تماماً ، وألتف الأطفال أمام باب الحجرة يتفرجون على " خالتهم " التي تهتز على صوت التصفيق المختلط بالموسيقى .. وكان من الممكن أن تنتهي الرقصة عند هذا الحد لو لم تشعر ذات الشعر القصير بأن نصفها بدأ ينمل وأحست بأنها في حاجة إلى دورة أو أكثر على هذا المزمار ، فوقفت لتعيد الأسطوانة وتلف وسطها بالشملة .. وهات يا تصفيق .. حتى أخذ العرق يلمع في بعض الوجوه المزوقة بالماكياج . وجاءت الفتاة بالمناشف الصغيرة وهي علامة الاستعداد لاستقبال المائدة .. وبعد فترة خيم على المكان صمت إلا من بعض الأفواه التي تعلك بصوت مرتفع حتى يخيل للمرء بأنه وسط زريبة حيوانات مجترة في منتصف الليل .. وفي وسط الشقة وعلى السلم كان الأطفال يتقاذفون بأصابع الموز وقطع المرطبات وقد أخذ البعض منهم يزين الجدار بالرسومات السخيفة . وعادت المائدة إلى المطبخ نظيفة تماماً إلا من بعض فتات الخبز وحبات من الزيتون .. وارتفعت مع الهواء رائحة الشاي المعطر من جديد ، وعادت الضحكات ، وبدأ الحديث عن الناس فأخذت امرأة متوسطة العمر تسرد إحدى القصص القبيحة ، وعلى رأيها وعندما انتهت تعالت الضحكات بشكل صراخ ، بينما سألتها إحداهن : • ولكن لماذا فعلت ذلك ؟ • لا أدري .. ربما لم تجد رجلاً . • وهل انعدم وجود الرجال فلو ابتسمت فقط لسقطوا عليها من السماء كالجراد . وأمسكت الأخرى بالحديث ، لتقول معلوماتها التي سمعتها • لقد سمعت عنها .. قالوا أنها ليست ليبية . • الليبية لا تفعل ذلك .. أنها تخجل . وشعرت صاحبة البيت بالحرج فلقد بدأت النساء يهدفن إلى جرح واحدة من الحاضرات ، كانت غير ليبية متزوجة برجل قريب لها .. ولاحظت الحمرة التي أخذت تعلو وجهها ، ولكنها قبل أن تحاول تغيير الحديث كانت الأجنبية قد ارتفعت لديها حرارة الإهانة : • لا دي ليبية سمعت عنها من واحدة صديقتي . ولم تعرف صاحبة البيت ماذا تقول وقد خافت أن يتحول النقاش إلى نوع من التشهير والشتيمة . • المهم مرآة وخلاص .. النساء كيف بعضهن . • بس دي ليبية مائة بالمائة . • معلش ..ماذا حدث في زفاف ابنة حواء . أرادات المرأة الشابة أن تتجه بالحديث نحو طريق أخر ولذلك سارعت بالسؤال عن الزفاف .. وارتفع اللغط وصارت كل واحدة تريد أن تدلي بما عندها . • لقد طلب والدها ألف جنيه مهر . • ولكن أهل العريس رفضوا . • الحقيقة .. قليل فيها ألف جنيه . • ابنة خالتها ليست أحسن منها والتي دفعوا فيها نفس المبلغ وأكثر . • والله بنت حليمة ذهبت رخيصة .! • لكنهم زوجوها لشاب يستحق كل خير . • المهم راحتها سواء دفع فيها الكثير أو القليل . • لا .. والله .. المهر الغالي .. غالي حتى الناس تعرف قيمتها . أثناء ذلك كانت الفتاة تسير وسطهن توزع أكواب الشاي الممتلئة باللوز .. وكانت كل واحدة تدعو لها بالمهر الغالي .. بينما تبتسم في خجل حتى كادت تقع .. وحلم يداعبها من بعيد .. وعندما انتهت من التوزيع .. رجعت إلى حجرتها وأخذت تتصفح إحدى القصص بحثاً عن أسطر خط تحتها بقلم رصاص .. كانت القصة قد استعارتها من زميلتها شقيقة الشاب جارهم في العمارة . غير أنها خشيت أن تدخل عليها واحدة من المدعوات فخرجت تشاركهن الجلسة. وعندما فرغن من الأحاديث عن الناس ، وبالتدريج أخذ الحوار يتقلص عن الخصوصيات ، صارت كل واحدة تريد أن تستعرض أكثر .. وكانت العجوز صاحبة الحكاية تطيل الحديث عن ابنها الشاب فهو دائماً من العمل إلى البيت إلى الجامع .. وهي تلمح لصاحبة البيت عن مشروع تزويجه بابنتها ، ولكن الزائرة الأخرى شعرت بأن المؤشر يتجه في صالح المرأة العجوز ، فأبت إلا أن تطعن بطريقتها الخاصة : • لقد قالت جارتكم بان ابنك قضى ثلاثة أيام في التوقيف . • إنها كاذبة .. فهي تقصد ابن عمه . • قالت قبض عليهما معاً وكانا مخمورين . وكان الحديث كلما بدأ يسير نحو الحساسيات كانت صاحبة الدعوة تحاول أن تتدخل لإيقاف إطلاق الشتائم . فكانت تضع اسطوانة تجذب إليها الأسماع أو تصرخ في فزع مدعية بأن الفرن الكهربائي به ماس . أو هكذا وبعد انتهاء الشاي تحركت بعض الزائرات في زيارة تفقدية للشقة .. وقد أعجبت إحداهن فأخذت تلح في معرفة إيجارها : • إنها حلوة وواسعة .. كم إيجارها ؟ • لقد قال ابني أنه يدفع فيها العلاوة وجزء من مرتبه . • والله رخيصة .. يا بلاش . وعندما اجتمعن مرة أخرى كان الحوار عن الوظائف ، أمسكت المرأة الكبيرة بالحديث : • زوجي نائب مدير درجة أولى وهو ينتظر ترقية ووظيفة أكبر قريباً . فأجابتها الثانية وفي صوتها نوع من الفخر : • لقد تخرج ابني .. وأخذ درجة رابعة وقد وعدوه بترقية أيضاً .. ووظيفة رئيس قسم . • لقد جاءت رسالة إلى زوجي بمنحه درجة ثانية .. سيكون مديراً بعد أيام فأجابتها والدة الخريج الجديد : . • ولقد وعدني ابني بأنه سيشتري لنا فيلا . • أبني أيضاً يفكر في الفيلا . طيلة هذه الحوار وصاحبة الدعوة واقفة تستمع في اعتزاز ، ولم ترغب في الحديث خشية أن تصاب بالحسد في ابنها .. بينما هي تعد قائمة جديدة بالمطالب التي كانت تريدها .. فها هم الناس الأقل مرتبة منه يتوسعون في أمانيهم بشكل خيالي . أخذت بعض الزائرات يودعن الفتاة وأمها ، بينما أخذ الصغار يصرخون احتجاجاً على الذهاب . وبخروج الأخيرة .. كانت المرأة تحتضن ابنتها في فرح غريب ، لأنها اكتشفت اليوم بأن ابنها أعلى الناس مكانة .. ولم تكن تتصور ذلك .. إن ابن جارتها الذي تخرج من الجامعة بعد انتظار قاتل حصل بعد كل هذا العناء على درجة أقل .. ما أروعك يا ابني ، هكذا كانت تخاطب نفسها .. ثم اتجهت بالحديث إلى ابنتها التي كانت تعيد ترتيب البيت : • اليوم عرفت أن بإمكان ابني أن يحضر لي كل ما أريد ، لقد فهمت لماذا يسافر كل سنة . • ولكنه لا يدخر كثيراً فهو يذهب أسبوعاً أو أكثر .. ولو كان يستطيع لغاب شهوراً كابن عمتي . • انه أحسن سكان هذا الشارع .. لو يترك الخمر . • حسناً .. ماذا تطلبين منه ؟ • تليفزيون .. سيارة .. وأثاث طلياني .. كيف جارتنا . وبينما كانت مستمرة في الحديث مع ابنتها سمعت الباب يفتح ، ودخل ابنها مستفسراً عن العشاء وتبدو عليه ملامح الاستعجال للخروج مرة أخرى . • مرحب .. مرحب .. حاضر سأحضر لك العشاء . • غريبة .. طلبات جديدة ضروري . • لقد جعلتني اليوم أرفع رأسي وسط الزائرات . • لماذا ؟ هل أخبروك بأنني انضممت إلى فتح ! • هل تعرف عمك احمد زوج جارتنا .. لقد قضى عمره كله في العمل ومع ذلك فهو درجة ثانية . • أنه قديم حقاً وما الغرابة . • وابن جارتنا الذي قضى عمره في المدارس .. لقد تعين بدرجة رابعة فقط ! • ولكن ما دخل كل هذا . • لقد فرحت بك حتى أنني لم أتكلم عنك أمام جاراتي خشية الحسد قد يصيبك .. كدت أطير من الفرح .. لقد تمنيت لو أطلقت زغرودة لأنك أعلاهم جميعاً .. أه .. تمنيت لو قلت لهم أن ابني حصل على أعلى درجة ، حتى يعرفن مكانتي .. لكنني خفت عليك من العين . • وهل قلت لهن بأنني مجرد طباع درجة سابعة ؟ ! • لا فقد ينتشر الحسد في شقتنا . وعندما خرجت كان الابن قد سرح يتفحص سقف الحجرة وكأنه يراه لأول مرة وهو يفكر في هذا الوضع الذي يعيش فيه ، ويفكر كيف يحدث عندما يفهم الناس المعايير بعكس حقيقتها .. وأخذ شريط الأحداث يمر أمامه منذ أول يوم وافق فيه على رغبة والدته في سكن هذه العمارة .. وعندما عادت حاملة بين يديها الصحن رفع بصره إليها وشبه ابتسامة تزين وجهه : • حسناً أريد أن انتقل من هذه العمارة . وصرخت بفزع ودهشة : • لماذا ؟ لقد تعرفنا على كل سكانها . • لم أعد أستطيع .. لقد تراكمت على الديون. وذهلت الأم في حيرة فهي لا تريد أن تصدق ابنها .. أيقول ذلك وهو أحسن سكان العمارة درجة .. وأحست بالعرق يتصبب على جبينها .. وخيل إليها أنها رأت سحابة حلمها تتسلل عبر النافذة المفتوحة ..
جريدة الحقيقة : 29 مارس 1969العدد 1058
هذه ليست صفعة ... أنت دائماً في حاجة لمن يعلمك حتى تعرف حقيقة نفسك ، لأنك انسلخت عن كل المفاهيم .. فأنت لا تعدو كونك إنساناً بدائياً ورثت قطيعاً من الغنم عشت خلفه منذ صغرك ، لا تعرف من العالم سوى الصفير النشاز ، ولا تستطيع أن تتحدث مع رفيقك إلا باستعمال " صوب خليل " ولا يمكنك أن تناجي جارتكم في النجع إلا بأغاني " العلم " أو بثلاث نغمات يرسلها مزمارك القصبي ذو الخمسة خروم حفرتها بسيخ صدئ مشوي في النار ، أنت لا تجيد شيئاً على الإطلاق غير أسماء شياهك ، أما فراستك في الأفراح ، فلا تتجاوز تلك المجار يد ، التي تصف فيها محبو بتك ذات الأرداف بـ " أم كفل تقول فرس " وتتفاخر بسواد عيونها التي تشبه " عين البقرة" وإذا ما أردت أن تكون مغالياً في وصفها فستخبرنا وبشيء من الفخر أن عيونها تشبه فوهة المسدس الألماني . وجفت الأرض ولم تعد السماء تمدك بما تحتاجه من دموعها وفطست شياهك واحدة تلو الأخرى بشكل غير عادي ، وحاولت أن تصنع أي شيء من أجل الحفاظ على عهدك مع جارتكم ذات العيون البقرية ، والتي تزين أنفها بخرم تتدلى منه قطعة فضية تغير لونها بفعل دخان " التنور " والتي وعدتها بالزواج في نهاية موسم الحصاد ، ولكن الموسم لم يعد يثمر رغم كل ما صنعت أوروبا من سماد وآلات .. وبدأت تعرف أن هناك مدناً يسكنها أناس يمشون على أرجلهم مثلك ، ولتحتفظ بأنفاسك غادرت النجع الذي أخذ يتقلص ، وامتطيت حذائك المصنوع من كاوتش عجلات سيارات الجيوش الداخلة والمنسحبة وسط الصحراء ، وانحدرت من أعلى الجبل صاروخاً بأعلى صوتك بإحدى أغانيك المحببة إلى نفسك . وليست أبداً بمعجزة أن تصل المدينة ماشياً على قدميك ، ولكنك لا تعرف ماذا تعمل في المدينة .. وعندما أقبل الليل أخرجت من جرابك مزمارك القصبي ونفخت فيه بنغماتك التي لا تعرف غيرها .. وقبل أن تطير مع أحلامك فتح باب أحد المنازل ، وأسكتك ذو الأشناب المتدلية حتى صدره ، وطردك مقسماً بالطلاق على أنه سيتوسط لك بالمبيت في الحبس . وأخذت تهرش رأسك فماذا تصنع في هذه المدينة ، ذات الشوارع الضيقة ، والعادات الغريبة ؟ .. وبالفطرة بدأت تحاول أن تتذكر أحد الناس الذين قد تكون لك بهم صلة .. وتذكرت اسم ذلك الشخص الذي زاركم ذات مرة مع أحد أقارب شيخ النجع .. وعشت أسبوعاً وأنت تسأل طيلة النهار دون جدوى وتقضي الليل مع أحلامك دائماً وسط فندق الغلة ، وقد منعك الخفير من الغناء لأنه يريد أن ينام ، فيكفيه عواء الكلاب الضالة . وكما قلت لك أنت دائماً في حاجة لمن يصفعك حتى تعرف حقيقة نفسك فأنت لا تعدو كونك إنساناً بدائياً رغم كل شيء .. ولقد نصحك الغفير بالذهاب إلى " البرط " فهناك العمل متوفر ، وصحبك أحد الغلمان حتى حافة الميناء حيث ترسو بواخر هالك حجمها ، واستقبلك " الماركة تينبو " الذي رأي فيك من القوة ، ما يؤهلك للعمل داخل أحد المخازن واشتغلت رغم الجوع حتى تضايق منك بقية العمال ، فما كانوا يرتبونه في ثلاثة أيام كنت تقوم به في يوم واحد ، وعند الانصراف التصق بك أحدهم ، وقد أنذرك بتخفيف نشاطك و إلا فلديه من الحيل ما يؤدي إلى فصلك دون عودة .. ولم تفهم ما يقصده ولكنه شرح لك بأسلوب مبسط ما يريده .. وبالتدريج أخذت تتثقف بكل ما استوعبه العمال منذ سنوات وصرت أهلاً لمشاركتهم حياتهم ، وكأنك ولدت داخل مخزن الأخشاب الممتلئ بالفئران الضخمة .. وكانت حركة السفن قد ازدادت عن المألوف وقالوا لك أن البلاد مقبلة على عهد جديد ستمتلئ فيه القمامة بالعملة الصعبة ، ولهذا قررت الدخول على المسئول دون أن تستأذن ، وبدلاً من أن تحييه وتنطق باسمه كما يفعل البشر ، كنت تناديه كما تنادي شياهك بالصفير : أف .. أف .. وعندما رفع بصره نحوك متسائلاً قلت له : نبي أزيادة .. الباقة عطيبة . وفي اليوم الثاني كانوا قد سحبوا منك بطاقة الدخول دون أن تنبس بكلمة .. ألم أقل أنك في حاجة لمن يصفعك حتى تعرف الطريق . وأخذ المنادي ينادي .. أن هيا إلى الصحراء .. وهرولت إلى هناك في شاحنة وعلى كتفك حقيبة بها بضع ثياب رثة ووصلت لمعسكر الشركة ، وأخذت تعمل مع بقية العمال تسيرون خلف الخبير محملين بأخشاب القياسات والمواد المتفجرة ، وعندما يشتد وهج الصحراء كنتم تعودون لاهثين من العطش نحو السيارة وتأخذون في " رخ المرة " بينما يتسلح الخبير بالقبعة الواقية ويحتضن قربة الماء ويسير وحده لينجز العمل ، وأنتم تسخرون : عليك حمر غضيب أتقول جاباته أمه وسط الصحراء . وعشت عدة شهور هناك حتى تغيرت ملامحك ، وبالرغم من علمك بأن المتعهد يتقاسم معك ـ من خلف ظهرك ـ نصف أجرك وثلاثة أرباع غذائك إلا أنك كنت راضياً بذلك ، شاكراً هذه النعمة التي لم تتعود عليها ، وكان عمال المعسكر يحدثونك عن البارات والارتيستات الأجنبيات الوافدات في أسراب مهاجرة على المدينة ، وقررت أن تأتي لتروي ظمأك فإن أجر ستة أشهر كفيل بأن يجعل لك في " المالح طريق " وبأن تحقق رغباتك مع أشهر ارتست في الجحيم . حسناً .. وشحنك المدير في الطائرة مع بقية المواد غير المرغوب فيها .. وطوالي على الكباريه الشهير حيث استقبلتك الراقصة الأسبانية التي عرفت بأنك معبأ بالعملة الصعبة وأخفتك داخل اللوج المبني من الزنك المطلي بالأحمر ، وكنت تنادي الجر سون بالصفير : أعطيها اللي تبي ومع كل قبله كانت تطير الورقة الكبيرة ، ومع كل " قرصه " تهرب من جيبك ورقة خضراء .. وعند منتصف الليل أحسست بأنك أفلست تماماً فاستأذنت منك على أمل العودة ولكنها لم تفعل وشعرت بأنها تريد الهرب منك فأمسكت بها بالقوة لترغمها على البقاء غير أنها صرخت في وجهك وصفعتك بقوة ملفتة للنظر وجاء زبانية المرقص ليأخذوك من ثيابك وليطرحوك على الرصيف بهدوء .. ألم أقل لك أنك في حاجة لمن يصفعك حتى تعرف الكثير .. وعندما مددت يدك داخل جيبك لم تجد سوى الإبرة الصدئة التي كنت تحيك بها ثيابك وفي مؤخرتها بقية سلك أسود . ثم اكتشفت بأن بإمكانك أن تغادر البلاد عن طريق كتيب صغير يحمل صورتك وأوصافك لتعيش في كازينوهات رخيصة الثمن جيدة المتعة وكنت هنالك أميراً ، كل العالم في خدمتك ، شيء لم تألفه من قبل ، كل الناس ينادونك بلقب أمير أو بك وعندما تبدأ الراقصة في عرض فتنتها تقف بجانبها على المسرح لتلصق بلعابك ورقة عشرة جنيهات على جبينها وتمتلئ الصالة بالتصفيق الحاد لكرم ألبيك .. وعندما كانت تصعد المطربة ذات الرموش الصناعية تصعد وتنادي عن الغاوي كنت ترمي إليها " بشنتك " وتصرخ بأعلى صوتك ( هز ياوز ) ومع النشوة كنت تصر على أن تضع إصبعك داخل أذنك لتطلق أغنية من تقاسيم " صوب خليل " تهتز لها أرجاء الصالة وتهرب الفتيات مذعورات .. ولما يئسوا من إقناعك بشناعة صنيعك وجدت نفسك محبوساً في دورة المياه حتى الصباح .. ألم أقل لك أنك في حاجة لمن يمزق أذنك حتى تعرف الأشياء على حقيقتها . فكل همك أن تحصل على أكبر قدر ممكن من المتعة ، وكان لقب " البيه " يغريك بالعودة في كل أخر شهر "وشنتك الحمراء " وهي وسام البيهوية التي يزين رأسك فليست مشكلتك أبداً أن تعرف ماذا يحدث في الداخل ، ولهذا فأنت لا تعرف أن المتعهد الذي يتقاسم معك ـ من خلف ظهرك ـ نصف أجرك وثلاثة أرباع غذائك، قد اشترى نصف المدينة ، وليست مشكلتك أن تعرف أن الأجانب يتكاثرون بالتدريج حتى أنهم أصبحوا يمثلون نفس نسبة السكان إن لم يكن أكثر ، وليست بذات أهمية ، عملية نزع صفحات بأكملها من المجلات أو منعها أو حبس الصحفيين ، وليست مشكلتك أبداً وعلى الإطلاق أن نخسر الحرب أو نكسبها فما دامت هناك صحراء وعمله صعبة ، فكل شيء حسن ما دام الجزء الأكبر عامر بالكباريهات والمراقص لم يحتل بعد فكل شيء رائع وليست مشكلتك أو قضيتك أن يكون هناك أطفال عراة في عز الشتاء ، وليست بذات قيمة مكاتب جمع التبرعات للأبطال الحقيقيين الذين بدءوا يعيدون للحياة دماءها ، وعندما طلب منك أحد الشباب التبرع لهؤلاء أجبته بكل وقاحة : لماذا باعوا أرضهم لليهود.. وأراد أن يصحح لك معلوماتك التي فهمتها في الكازينو ذات مرة، لكنك لم تنتظر حتى ينهي حديثه ,, ألم أقل أنك إنسان بدائي ليست لديك أية مفاهيم اللهم إلا ما ذكر سابقاً . ولأن ما يدور في العالم ليس بذي قيمة عندك وما يدور في الداخل ليس مشكلتك أبداً وما يحدث على حدود جيرانك ليس قضيتك ، لذلك أنتهز بعض المتعهدين هذه الفرصة فجلبوا لك أكبر قدر ممكن من الفرق الراقصة لتعطيك ما تحتاجه من البهجة .. وكنت كلما صعد ت مطربة تصرخ لها بأعلى صوتك ( هز يا وز ) معتقداً أنها أبلغ جملة إعجاب يمكن للمرء أن يطلقها بملء حنجرته .. وفي الوقت الذي كان المطرب فيه يأخذ في مناجاة حبيبته : لا يستطيع الحياة بدونها كنت تجيبه على الفور لتكسب عدداً من المعجبين بنباهتك : يا جنيه إسترليني . وهذه هي مشكلتك ، أنت تعتقد أن الجنيه الإسترليني ، هو كل شيء في حياة الإنسان ويمكنك أن تفعل ما يحلو لك ، لأنك تملك الجنيه وغيرك يشتهيه ، كل عيوبك ستغطيها بأوراقك الخضراء ، ما دامت هناك صحراء عامرة بما في جوفها .. فأنت لم تتعود احترام شعور الغير ، ولم تحاول ذات مرة أن تحترم نفسك فأنت بنقودك تجلب إهانتك وبنقودك تسافر ليحبسك الجر سون في دورة المياه ، وبنقودك تسخر منك الارتستات الوافدات في مواسم الحصاد الشهرية .. أو لم أقل لك أنك في حاجة لمن يصفعك ، لأنك لا تعدو كونك إنساناً بدائياً يعيش في حضارة القرن العشرين بما تجود به الصحراء وترتكب حماقات تخجل القرود من تقليدها .. ولأنك ملأت الدنيا بتصرفاتك المخجلة حتى أنهم وصفونا بكل سخرية ومرارة بـ " قلة الأدب " فإن صفعك ضرورة إنسانية يحتمه الواجب ، حماية لشعور الآخرين ، الذين يتمزقون مراراً في اليوم الواحد ولهذا فأنت في حاجة لمن يصفعك حتى تتعلم ، لأنك انسلخت عن كل المفاهيم حتى مجرد احترام الآخرين .
جريدة الحقيقة 5 أبريل 1969 العدد 1066
الكلاب والبقايا
دلفت المرأة داخل المكتب ، ووقفت ترقب الموظف الذي كان يبحث في أوراق أمامه ، ثم جلست على الكرسي الذي يلاصق المنضدة ، وتنهدت كأنها تزيح تعب مشوار مضن ، سألها الشاب: • نعم أي خدمة . • لم أجد اسمي في خزينة الصرف ؟. • بطاقة المعاش معك . • نعــــم . ومدت إليه بكتيب تتوسط صفحته الأولى صورتها واسمها ، ففتح الدرج وأخرج منه ملفاً فيه عدة بطاقات كبيرة للأجور الشهرية . وعندما أخذ يقلبها بحثاً عن اسمها دخل عليه أحد الموظفين ، مسلطاً نظره نحو المرأة يتفحصها من حذائها حتى رأسها ، وأحست المرأة باختراق نظراته بكل وقاحة فسحبت طرف جردها مختفية خلفه ، ثم وجه حديثه إلى الجالس ، وهو مازال يتفحصها : • أريد أن أعرف ما إذا كان هناك فائض في بند النثريات ؟ • لا .. لا يوجد لقد أخبرتك بذلك أمس وأمس الأول . • هل لي أن أتأكد بنفسي بالإطلاع على السجل حتى أكتب رسالة بذلك . • أنا متأكد.. لا يوجد فائض حتى ولا مليم واحد . • حسناً .. سأنتظر حتى تنهي شغل هذه السيدة ! شعر الموظف الجالس بأن إثارة هذا الموضوع الآن لابد أن تكون لغرض ، وعندما رفع بصره التقت عيناهما في شبه استفسار ، فما كان من الموظف الواقف إلا أن غمز الآخر غمزه خفيفة ذات معنى ، الأمر الذي أفقده صوابه تقريباً ووجد نفسه يمد يده نحو السجل المطلوب ويرمى به إليه حتى ينهي هذا النقاش ، وبذلك فلم يكن هناك مبرراً لبقاء الموظف الثاني . لحظات ما عاد خلالها إلى عملية البحث عن اسم المرأة ،حتى دخل موظف آخر ، ووقف كالأول يتفحص المرأة ثم طرق الموضوع مباشرة : • فيه خفير لم نجد اسمه في الخزينة . • سأبحث عنه اترك لي بطاقته . • سأنتظر حتى تنتهي . وذهب ليأتي بكرسي يجلس عليه في مواجهة المرأة .. وتضايق الموظف من هذا التصرف ، فهو يعرف تماماً إن هذه عادة بعض موظفي المصلحة كلما جاءت إمرأة للاستفسار ، يأخذون في التردد على المكتب الذي تدخله ، بحجج ملفقة ، وكان إذا ما حدث له ذلك يجد نفسه مضطراً لأن ينهي أعمالهم التي جاءوا متحججين بها لكي لا تزدحم بهم الحجرة : • حسناً أين بطاقته .. سأنهي طلبك أولاً . • لا والله المرأة أولاً . ولكن المرأة قطعت عليه خط الرجعة كما يقولون : • لا معلش يا أبني . • ما يصحش السيدات قبل ! • يا أخي أين البطاقة ؟ • ليست معي .. أعرف أسمه بالكامل . • البطاقة ضرورية . • شكراً . وبخروجه عاد إلى عملية البحث ، وهو ينظر ما بين البطاقة والأسماء التي أمامه وعندما أخرج الملف الثاني كان جرس التليفون يملأ الحجرة برنينه البطيء .. فرفع السماعة وجاءه صوت المتحدث : • أيوه .. هو أنا ... ماذا؟ • المرأة التي بجانبك جميلة وتستحق عملية مغامرة . • يا راجل عيب . • أنت غير أفهمني .. سيارتي جاهزة وفيها كل الطلبات . • يا سيدي شكراً أبحث عن غيري . • أنت غير أسمع .. فرصة . • يا أخي يجب أن تخجل . إنه الموظف الذي جاء يسأل عن بند النثريات يتحدث من المكتب المجاور . ورمى السماعة بقوة لتنام على الجهاز .. وهو يكاد ينفجر وأخذ يفكر في هذه التصرفات ، لقد تعودوا على مثل هذه الحركات ، كلما جاءت امرأة .. وكأن كل واحد يريد أن يثبت رجولته في عملية " النطر " أمام الآخرين .. وسرح من جديد في عملية البحث بين البطاقات وفي نفسه قرار بأنه في هذه المرة سيضع حداً لتصرفاتهم ولو أدى ذلك إلى أسوا الاحتمالات .. وتوقف عند بطاقة كانت ملصقة بها رسالة وعندما تفحصها وجدها تخص المرأة الجالسة بجانبه .. وأخذ يقرأ الرسالة : * " نرجو التكرم بإيقاف أجر العاملة المذكورة أعلاه نظراً لتغيبها عن العمل مدة يومين دون عذر شرعي ، وذلك إلى حين إشعار آخر ، واقتناع هذه المصلحة بمبررات الغياب " . ورفع الموظف رأسه بعد أن انتهى من قراءة الرسالة ، فطالعه وجه المرأة ، كانت متوسطة العمر وتحت شفتها السفلى خط عريض كجريدة النخلة في رسمها ولونها وعلى جبينها علامة تشبه أحد الأحرف اللاتينية بينما نامت على أنفها شامة من نفس اللون ، قمحية البشرة تلتحف بجرد أبيض ، وقد دست قدميها في حذاء أسود رخيص مخفية ساقيها بجورب لم يظهر من لحمها ما يغري بالفرجة :
• يا خالتي .. فيه رسالة بإيقاف معاشك . • لماذا ؟ .. " بفزع " . • الرسالة تقول بأنك تغيبت بدون إذن أو عذر . • لقد أخذت تصريحاً من رئيسي . وفجأة أخذت تبكي وقد نفرت من عينيها الدموع وهي تغالب نفسها بأن لا تفعل ذلك أمام الموظف الذي أخذ ينظر إليها مشدوهاً : • والله .. لم أغب هكذا .. رئيسي يعرف السبب . • نحن لدينا رسالة لا نستطيع مخالفتها . • لقد غبت لأن ابنتي الصغيرة مريضة بالحصبة وكادت تموت لو لم أبق بجانبها .. لقد حملتها إلى الطبيب في منتصف الليل . ثم مدت يدها إلى داخل جردها تتحسس شيئاً وأخرجت "روشيته" بها قائمة أدوية لم يفهم منها الموظف سوى طريقة الاستعمال المكتوبة بالعربي واسم الطبيب المطبوع في أعلاها .. ومد إليها بالورقة وهو يهز رأسه في حيرة بينما المرأة مازالت تبكي : • ابنتي مريضة..ولم اشتر الدواء حتى الآن.. لقد أخذت أذناً من الرئيس المباشر.. إنه يعرف سبب غيابي . • ربما حدث سوء فهم لدى المصلحة .. عليك بإقناع المدير بقبول عذرك . • أقسم بأن لدى رئيسي العلم بأن ابنتي مريضة ولم اشتر الدواء لأنني لم استلم معاشي . • أذهبي للمدير .. كان بودي مساعدتك .. ولكن الرسالة لا نستطيع مخالفتها . • عندك حق .. لا يشعر بالنار إلا إلى عافسها ! وعندما خرجت المرأة ، كان صوتها مازال يتموج داخل الحجرة ، وهي تنخط حتى لا يرتفع صوت بكائها .. في حين أخذ الموظف يجمع الأوراق ويعيد مطالعة الرسالة من جديد .. ومنظر المرأة ودموعها و" الروشته" لم يفارقه بعد .. وشعر بأن أحد الموظفين يقف بجانبه وهو يتساءل : • في أي قسم تعمل .. أشهد في ديني " أنها خاربة " ؟ • لا أدري . • لو كنت مكانك لاصطدتها . • شكراً .. لست كفؤاً لذلك . • أنت مسكين حارم نفسك .. والفرصة بين أيديك . وقبل أن يحتد الجدل بينهما ، كانت المرأة قد عادت من جديد ووقفت أمام المنضدة ، وبالقرب منها الموظف الذي كان يتحدث عن اصطيادها ، وقد أخذ يتجه نحو الباب مغادراً الحجرة : • ماذا حدث .؟ • قالوا المدير مريض من أسبوع ونائبه لم يأت من أربعة أيام . • عليك بالصبر ! • ولكني لم أتغيب أقسم بالله .. ورئيسي يعرف السبب . • إذن من أين علمت لإدارة بغيابك . • المدير غائب ونائبه كذلك فمن أوقف معاشي. • المصلحة كلها مدراء ! ! • ولكن ابنتي مريضة بالحصبة تريد رعاية .. وزوجي متوفي . • ما ذنبي لا أستطيع عمل أي شيء . • معلش الدنيا بالوساطة والآخرة بالعمل .
ولم تجد المرأة أي أمل في عملية الوقوف هذه ، وإثبات عذرها للموظف فخرجت وهي تغالب خيبة الفشل ، وضم الموظف أوراقه ورمى بها في الدرج في حالة تذمر شديدة .. وهو يفكر في كيف يستطيع أن يقنع امرأة كهذه وغيرها من المترددين بعدم جدوى الشكوى إلى أمثاله ، والمدير نفسه غير موجود ونائبه غائب ، ربما في رحلة صيد ، وقفل الدرج ووقف وهو يزفر ، ثم ضرب المنضدة بقبضته فأحدث صوت فرقعة عالية ، وترك الحجرة متجهاً نحو المكتب المجاور المطل على الشارع ، ووقف خلف النافذة يشاهد السيارات وهي تمرق في سرعة ، بينما الناس يسيرون بوجوم يتبع أحدهم الآخر كالقطيع ، ودراجات يمتطيها بعض الصبية في عملية سبق ، وقد شارك صراخهم أبواق المنبهات ، وعندما رفع بصره رأى في أخر الشارع المرأة ذات الجرد الأبيض وهي تسير على الرصيف .. وخلفها بعدة أمتار على الطريق سيارة تسير ببطء، وعرفها فوراً ، فقد كانت سيارة الموظف الذي دخل يسأل عن بند النثريات .
جريدة الحقيقة : 19 أبريل 1969 العدد 1078
الديك و الخيال لقد انتشرت الحادثة وكأن أحدى الوكالات الإخبارية قد تولت ذلك وأصبحت حديث الناس والنساء خاصة .. فقلد ماتت المرأة وتركت خلفها دسته من الأولاد وكانوا يقولون بان موتها كان نتيجة صدمة نفسية لان زوجها بعد رفقة طويلة تركها وقد تزوج امرأة أخرى وهجر أولاده وكل ماضية الحافل بالفقر.. ولم اكترث بالخبر بالشكل الذي يشغلني غير انه انزوى في ركن الأحداث اليومية العابرة ..ولم أعطه من التفسيرات أكثر من انه يجوز أن لدى الرجل أسبابا وجيهة أو العكس وعلي كل فهذه حريته وهو المسئول عن تكييفها . ولكن الصدفة هي التي جعلتني اعرف حقيقة الحادثة إذ التقيت بالرجل علي غير موعد فقد جاء لزيارتي دون معرفة برفقة احد أصدقاء العمل وأخذنا نتجاذب أطراف الحديث كالعادة دائما واجدين لكل مشاكل الدنيا حلول دون أن نجد الحل الحقيقي لمشكلة انقطاع النور في ليالي الشتاء القاسية البرودة ؟؟ وبعد جولة حول الدنيا بدأنا نتقلص في الحديث عن خصوصيات وفجأة قال صديق العمل لرفيقه . - أنت أيضا يقول عنك الناس بأنك سببا في موت زوجتك . وشعرت وكأن الرجل صعق - لأول وهلةـ ثم ابتسم في مرارة مقسما بالطلاق ثلاثا كعادة الرجال دائما إن ما قيل لا يعدو أن يكون افتراء وخيال عجائز .. وليؤكد ذلك بدأ في سرد الحقيقة كما يقول : - لقد تزوجت المرحومة منذ زمن بعيد وكانت خير رفيقة لقد شاركتني الحياة بكل قسوتها وأعطتني جيشا رائعا من الأولاد لقد كانت طيبة كالملائكة تماما فقد استطاعت ان تتحمل قسوة والدي وطول لسانه فهو كان يفتعل معها الشجار لأدني سبب وكان يحدثني أمامها طالبا مني طلاقها ليزوجني بغيرها فلقد كان أجدادي لا يكتفون بالزواج مرة واحدة كما يقول ولذلك يجب أن أكون وريثا حقيقيا لعادة أهلي .. وكانت تتحمل أهانته بصبر لا مثيل له ، وعندما كنت أحاول إفهامها بان والدي رجل عجوز عصبي المزاج كنت أجد إنها تفهمه أكثر مني .. ثم مرضت والدتي وطالت مدة مرضها فكانت تقوم بالإشراف عليها دون ملل .. وبموت الاثنين ارتاحت من المشاكل نهائيا وعشنا كأي بيت تقليدي عادى .. وكثرت فرص العمل وأصبح كل يجرى من اجل أفكاره ومشاريعه وفي أحدى صراعات العمل أصبت بحادث الزمني السرير مدة طويلة ولم أجد بدا من السفر طلبا للصحة في بلاد الله الواسعة الأكثر تقدما .. ودخلت المستشفي حيث مكثت أكثر من سنة وهنا تبداء قصتي .. كنت إثناء ذلك قد تعرفت علي المشرفة التي تقوم بخدمتي .. والواقع إنني أعجبت بها بشكل غير عادى فقد كانت صغيرة ولطيفة وجميلة أكثر مما تتصوران وكانت متفانية في خدمتي وقد صبت كل اهتمامها نحوى .. وكنا نتحدث كثيرا ووثقت العلاقة بيننا لدرجة إنها كانت تأتيني بالهدايا في كل مناسبة .. كانت تعرف إنني متزوج فلم اخدعها وكانت تعرف بأن لدى كتيبة من الأولاد .. والحقيقة أنها ملأت علي وحدتي ولا أدرى حتى الآن إن كان ذلك شعورا منها بما يقاسيه الغريب وخاصة المريض .. وبالتدريج أخذنا نجنح بالحديث عن الحب والعادات وغير ذلك من الموضوعات وكنت قد حدثتها عن كل شيء في بلدي ابتداء من التقاليد حتى آخر ما وصلنا إليه .. كنت اسرح مع أفكاري فأجد نفسي غارقا في التفكير فيها حتى قبعة راسي واعد ساعات الليل بالدقيقة انتظارا للصباح حيث أراها بجانبي وأخذت أبثها شوقي وآمالي ووجدت لديها ميلا شجعني علي المضي في الحديث كنت كمن حفظ كلمات وأشعارا لم يستعملها طيلة عمره . وعندما انتهي العلاج أخذتني بسيارتها الصغيرة إلي بيت أسرتها حيث وجدتها قد أعدت لي غرفة خاصة ومع الأيام عشت كأحد أفراد العائلة تماما ووجدت حياة جديدة وشيئا لم ألفه في حياتي أبدا وأخذنا نتجول في السيارة ولم ادر بالضبط ما حدث لي سوى إنني في عالم أخر وحلم حقيقي جديد ونسيت كل ما تركته خلفي .. وباختصار كاشفتها بشعوري وكادت تطير من الفرح ووجدت لديها الاستعداد بأن تذبح دينها قربانا للعيش معي وبترك وطنها .. وهالني ذلك وأحسست بكبر تضحيتها لدرجة الخجل أمام اى تردد غير مقنع .. وفي غمرة الشعور وجدنا أنفسنا ننقاد نحو إتمام إجراءات الزواج دون تأخير ..وبقيت معها عدة أسابيع ثم عدت وتركتها هناك علي أمل العودة بعد إعداد البيت . وعندما دخلت بيتي كنت مازلت متأثرا بذلك الجو المترف بالبهجة ولكني شعرت فجأة بفداحة ما فعلته حقا عندما رأيت دموع الفرح التي كانت نتيجة رفقة طويلة .. وتمزقت بمرارة .. ولم اخف عن زوجتي الأولي شيئا حدثتها بكل ما وقع لي وشعرت بفداحة ما تعانيه والخيبة المميتة .. ولكنه مع الأيام خفت الوطأة نوعا فوجدتها تقبل الواقع علي علاته مكتفية بالعيش مع أولادها إذا رضيت الأخرى بهذه المشاركة فهي لا تريد الابتعاد عنهم رغم كل شيء .. وأحسست إلي حد ما بتزحزح الحمل وبأنه يمكن التغلب علي كل شيء مادام هناك توفر في التفاهم .. وبالرغم من أن الجذوة بدأت تنطفئ وأخذت الأحلام تتقلص عندما عدت إلي رشدي إلا انه كان يجب علي أن أفي بالتزامي .. وفي هذا الأثناء استلمت من زوجتي هناك برقية بانتظارها في المطار . وجاءت ممتلئة بالشوق لرؤيتي وشعرت بالتقطع بين الخيال والواقع وأحسست كأن ثلوج العالم تراكمت فوقي .. اولادى كبار ورأيت اللهفة والجوع في عيونهم وبناتي امتلأن حسدا حتى طفح علي ملامحهن . غير انه لا يمكن للمرء أن يغير واقعا كهذا ما لم يحصل علي العصا السحرية .. ووجدت انه إبعاداً للقيل والقال أن اؤجر لها غرفة في احد الهوتيلات مدة ، ثم طلبت منها العودة ريثما أدبر أموري والحق بها للمجيء نهائيا .. وعادت بعد أن حملتها بحقائب من الأماني والأحلام اللذيذة ومرت مدة ثم وصلني خطاب تنبئني فيه بأنها حامل وهي تنتظر مولدوها بفارع الصبر .. وتأكدت فعلا بان الأرض تدور بسرعة مدهشة ووجدت نفسي أكاد أن أقع على الأرض لولا تمسكي بالجدار وأحسست بان رجلي تغوص أكثر مما كنت أنوى أن أضعها فيه .. وخف الصداع بالتدريج .. وعندما أخذت في إعداد البيت الجديد كانت زوجتي الأولي قد مرضت فجأة وحملتها إلي الطبيب الذي اكتشف بأن لديها مرضا خبيثاً لاستعمالها خطأ نوعا من الأدوية الأمر الذي جعلها تصاب إصابة مباشرة في عمرها الباقي .. وفارقت الحياة وهي بين يدي تبتسم وكأنها تقول بأن المشكلة حلت رغم الظروف .. والواقع أنها تعقدت أكثر فلقد أحسست باني قد انتهيت .. فلقد جربت الألم عند وفاة والدي ووالدتي ولكني لم أعشه ولم أذقه كما ذقته عندما وضعتها في القبر وودعتها لأخر مرة . وبكيت أكثر مما بكي اولادى .. وأخذت العجائز يغزلن القصص عني أثناء " شاي العصرية " وتناقلها الناس حتى كدت افقد عقلي وحاولت أن اصنع إذنا من طين وأخرى من عجين .. وفكرت باني يجب أن انهي هذه القصص بإنهاء علاقتي مع زوجتي الجديدة احتراما لشعور أولادي فلقد رأيت في عيونهم أسئلة كثيرة وشعرت بأنني لا أستطيع أن أكون مثل الديك الذي يقف علي جبل من الأوساخ مصراً علي ممارسة الأذان .
جريدة الحقيقة : 26 أبريل 1969العدد 1084
حكاية البداية المسروقة ..
الصوت الافيوني يتسلل عبر فراغ الحجرة " بعيد عنك حياتي عذاب " ويتعالى الصفير بينما صوت آخر يرتفع الله اكبر ويتكرر النداء بإعجاب مفرط .. فيمد يده ويضغط علي الزر ليخرس الصوت .. ويرفع السيجارة من المطفأة الزجاجية ويمتص منها عدة أنفاس .. ويشعر بالاختناق وتترقرق عيناه بالدمع .. ثم يسعل .. فيرمي بالسيجارة لتنام علي البلاط متضرعة بخيط دخان رقيق ..فيطفئها بقدمه ليكتم أنفاسها ويأخذ في سحقها حتى تناثرت أحشائها علي البلاطة البيضاء ثم يسند رأسه إلي الخلف ويغمض عينيه المدورتين في نومه خفيفة .. ويسعل مرة أخرى فيضغط علي أنفه ويعتصره ليوقف عطسه في طريقها إلي الخروج .. ويرفع قدميه علي حافة السرير لماذا لا ينام لحظات ؟ .. ولكنه يتردد فهو يخشى أن تطول اللحظات إلي ساعات ، فيضيع الكثير من وقته .. وان ضاع الوقت فعلام الندم ؟ انه ضائع باستمرار !! ويمد يده إلي الكتاب .. تمسح عيناه عدة سطور .. ويرفع رأسه من جديد ، يفكر .. فيم يفكر انه ؟ انه لم يفهم أية كلمة من تلك الكلمات التي رآها نائمة علي الورق في هدوء .. هو لا يريد أن يفكر .. لقد مل التفكير انه يحسد أولئك الذين لم يصابوا بمرض التفكير .. لا ..لا أنهم في حاجة لمن يهديهم للطريق وما دخله في ذلك لقد نال جزاء هدايته لأحدهم .. عندما كشفت له الأيام بأنه كان من شلة الذين يترصدون رواد المقاهي .. حسنا .. فلينم عدة دقائق .. ولكن النوم لم يتعود زيارته في مثل هذه الحالات .. فليفتح الجهاز فربما سمع شيئا يطربه " مليش غير الدموع أحباب " فيضغط مرة أخرى علي مفتاح الصوت .. كل شيء تافه .. لاشيء يستحق .. الدمع ولا شيء حقيقي في هذا الجزء من الدنيا .. ويبتسم في سخرية ، لطيف عجوز في الثمانين تتلوى كالأفعى مسحوقة الأضلع تناجي شبابها الضائع عبر سنوات السحاق المزرية ..حسنا .. سيغير مؤشر الجهاز فربما سمع شيئا أفضل .. ويأتي صوت مبحوح " حدث انقلاب ولم تتوفر معرفة الأسباب لإغلاق دور الصحف " ويضغط بعنف .. أف .. علام كل هذا الصراع ؟ ليكونوا " قيمون" علي شعب من " القصر " ولكن لماذا يفكر هكذا .. انه لا يريد أن يفكر مطلقا.. فلينس هذه السخافات .. ويرفع المجلة التي كانت بجانبه ويأخذ في البحث عن قصة العدد .. لقد قرأ في الفهرس بان القصة باسم الأرض والمحراث ولكن لم يجد إلا " المحراث " ويبدأ في القراءة .. غريبة .. أنها غير مفهومة .. لماذا ينشرون أشياء تافهة كهذه .. أين البداية ؟ لا.. ليست تافهة ..انه فقط في حالة غير حسنة فهو لا يستوعب الكلمات عندما يكون في مثل هذه الحالة النفسية .. وتأخذ يده تعبث بالأوراق .. فليتسل بالصور علي الأقل .. ولكن إحدى الورقات تسقط فجأة وتأخذ في الطيران وسط الحجرة ثم تنزلق علي البلاط وتختفي تحت السرير .. حسنا .. ليلحق بها فهو يريد أن يعرف لماذا فعلت ذلك ! ويخرجها .. ويعرف أنها منزوعة ، لوجود شرشرات من الصفحة الأخرى المقابلة لها .. وقرأ بخط اسود في خلف الورقة " بقية قصة الأرض والمحراث " ويبتسم .. إذن للقصة بقية .. ولكن بدايتها سرقت .. تركوا المحراث وأخذوا الأرض ! سامحهم الله .. ورمي بالمجلة عندما وجد أن هناك مجموعة صفحات ناقصة .. فهو لا يريد أن يستمر في تصفحها ولا يريد أن يرهق نفسه بالتفكير .. ويخرج سيجارة أخرى ويبعث فيها الحياة بلهب الثقاب ثم يمتص منها حتى تصل البهرة الحمراء إلي ربعها .. ويبلع ريقه ويحس بلهب يحرق رئتيه ويتصاعد الدخان مع فتحتي انفه ويغيب رأسه وسط سحابة تتصاعد ببطء .. ويأخذ يترنم بصوت خفيف " حظ أحمق الخطي ، سحقت هامتي خطاه " ويعيد المطلع عدة مرات في محاولة لتقليد المطرب .. ولكنه يتضايق فهو يكره هذا المغني أيضا .. ثم ينظر إلي ساعته .. الوقت بطيء للغاية ويرفع الآلة الصغيرة الملتصقة بمعصمه كأسورة ، يرفعها إلي أذنه ليتأكد من أنها مازالت حية لم تمت بعد .. ويهز رأسه .. غريبة أنها " تتكتك " وعقربها الصغير يدور ولكن الوقت لا يمر .. حسنا فليسمع موسيقي أو خبرا .. يبعده عن هذا الضجر .. ولكنه يخاف .. تقف يده قبل أن تصل الجهاز .. فيكفيه نواح وإخبار الانقلابات والمعارك الوهمية .. و يأتيه من بعيد نعيق احد المختبئين خلف المذياع " أسقطنا سبعين طائرة للعدو خلال غارة واحدة " .. ثم يرتفع هدير كالرعد .. الله اكبر.. الله اكبر ويغيب الصوت بالتدريج لأنه يعرف البقية : فماذا حدث في النهاية أتضح العكس .. فيكفينا دجلا .. أف انه لا يريد أن يعيد هذه الذكرى المؤلمة .. لقد فرح في أول يوم المعركة ثم بكى في اليوم الثاني .. ومازال يبكي باستمرار .. وفي غدا سيكون الصلح سيد الأحكام .. وبشيء من التردد يفتح الجهاز .. فهو لا يستطيع أن ينفصل عن العالم مهما كانت الظروف .. سيسمع أي شيء حتى لا يقتله التفكير .. وتلعب يده بالمؤشر فيحدث الجهاز قرقعة كزئير الأسد .. ثم تلتقط إذنه صوتا ملائكيا يرتل ويأتي الصوت عبر الموسيقي الحالمة . أمويون الحقوا الدنيا ببستان هشام حتى أنت يا سيدتي الطيبة .. تتصدقين علي سامعيك بحقنة أخرى لنجتر الماضي .. حلم أخر ..اسمه أفيون الماضي .. وماذا فعلنا نحن ؟ أنهم الحقوا الدنيا ببستان هشام ، ونحن سنتغني بذلك حتى نلحق بالسماء تحت وطء الأقدام ! وضغط يده علي الجهاز الصغير .. والصقه بالحائط بدفعة قوية تحمل كل حقده جعلته يتناثر قطعا عديدة .. ورمي بنفسه علي السرير .. سينام قبل أن ينفجر شريان دماغه .. وعندما ارتفع صوت شخيره .. كانت ورقة المجلة تلعب وسط الحجرة وتنزلق علي البلاط تحمل بقية قصة نزع أولها .
جريدة الحقيقة : 3 مايو 1969العدد 1090
الرحلة اليومية
- السماء تمطر دائما رحمة بالأطفال . هكذا بدأ حديث الرجل العجوز الملتف بمعطف من مخلفات الجيش ، الذي كان يقف مستندا علي الحائط .. المكان محطة قرب حي الموظفين الذين ورثوا مساكنهم عن الحكومة .. كانت الشوارع تغمرها المياه والحفر التي تبلغ عمقها أكثر من نصف المتر .. والناس تنتظر بفارغ الصبر وصول السيارة الصغيرة " الفور دينه" لتقلهم إلي الضواحي حيث شاءت لهم الأقدار أن يمتلكوا مساكنهم ، كل حسب قدرته ليس هناك غرابة في المنظر عندما يرى المرء أشكالا متعددة من الواقفين ابتداء من العمال إلي الموظفين وغيرهم . الرجل العجوز مازال يحكي لجاره رغم هطول المطر ، بينما يمتص لفافته التي بللها لعابه والقطرات التي تتساقط علي يده : سيدي الخضر نفعنا الله ببركاته . أنه يمر علي الخلق كلما ذكره إنسان . انه يرتدى جلبابا اخضر يطير به كالملائكة .. أتعرف ان السماء لولا الأطفال والشيوخ لما أمطرت نقطة واحدة .. لان البركة طارت والناس تتحارب علي القرش ..أيه .. حالة . زمان كان كيس الدقيق ب " فرنكين " كان الخبز والشعير والقمح بلاش .. بتراب الفلوس .. كان فيه بركة ورحمة .. لكن اليوم يستر الله .. حتى المنجل كان فيه من يصنعه .. ويهز جاره رأسه موافقا علي كلمات العجوز التي كان يطلقها بسرعة وهو يعتصر وجهه ليمسح الماء .. ثم يأخذ دوره في الحديث ليرد علي محدثه : - اليوم عهد وأمس عهد ... زمان كان شغل الناس الحرث لأنهم نبتوا في الأرض حيث تمدهم بالحياة .. واليوم .. أه .. الخير فائض .. اذهب للميناء ستجد جبالا من الخيرات لم ترها من قبل .. حتى مياه الشرب يأتون بها من الخارج .. هناك فئات من الناس لم تعد تستسيغ مياه المدينة . ويضحك العجوز وهو يهز رأسه دليل علي عدم الرضا : - ولو هاج البحر وغرقت السفن ماذا سنفعل ؟ نأكل القطط والكلاب !! أم نأكل بعضنا ؟ - اشرب بترول . انه لذيذ كالفواكه المعلبة تماما !..كانت هذه إجابة الشاب الواقف بالقرب منهما أراد أن يداعبهما بهذه النكتة .. السيارات المتعددة الأشكال والأنواع تمر باستمرار فتتطاير تحت عجلاتها دموع السماء الراكدة ، لتملاْ المنتظرين وصول سيارة تقلهم .. وخلف المحطة وعلي امتداد أطراف الحي الراقي كانت تربض العمارات ذات الواجهات الزاهية ، تطل علي الشوارع ، وفي داخل شققها مدا فيء هادئة اللهب وسط صالونات مريحة حيث يجرى الحديث عن المستقبل والمشاريع الكثيرة المكاسب .. بينما يقف أمام كل عمارة خفير يطرد الماء من فوق الرصيف حتى لا تتلوث أحذية السكان . السماء لا تريد أن تتوقف لحظة واحدة عن رحمة الأطفال .. والرياح تعصف فتحدث في الأسلاك الممدودة في ارتخاء صفيرا مفزعا . والواقفون يرفعون عيونهم لمراقبتها خشية أن ينقطع احدها فتكون في سقوطه نهايتهم بينما المرأة التي تحتضن طفلها تتضرع بدعاء هامس ان يوقف الله هذا الخير المدرار فان الطفل يكاد يموت من البرد وقد فقد القدرة حتى علي الصراخ الذي كان لا يجيد سواه .. لاشك أن الانتظار ممل وقاتل ، خصوصا إذا ما عاش المرء أكثر من ساعة في مثل هذا الجو ، فالأقدام غارقة في الماء والرؤوس تستقبل نقرات خفيفة تتجمع لتنحدر عبر الثياب .. غير ان الأمل في وصول السيارة ينسي البعض هذه المرارة . أخذ الواقفون يلمحون بقايا سيارة جاءت تزحف ببطء وقد اختفي نصف عجلاتها في المياه .. وما أن وقفت .. حتى أخذ الكل يهرع إليها عله يجد مكانا .. ولكن من الصعب ان يصدق احدهم بأن سيارة صنعت لنقل عشرة أفراد في أحلك الظروف في إمكانها أن تحمل ثلاثين راكباً .. وأخذت المرأة تصرخ : - ابني قتله البرد.. دعوني أخذ مكاني .. اى زمن هذا حتى المرأة لم يعد لها احترام !!.. - كان زمان .. اليوم عصر المساواة وتأخذ في محاولة شق طريقها وسط الزحمة .. دون ان تكترث بالإجابة التي أطلقها احدهم .. أنها لا تفهم المساواة .. وحتى ان وجدت فهي لم تتوفر للرجال بالحد الكافي .. المرأة تريد ان تدلف في جوف السيارة لتحمي ابنها ، ولتذهب المساواة إلي الجحيم فهنالك يمكن ان تكون مساواة لكل الوافدين . السيارة المسكينة تحتج بعواء بعض أجزائها الذي يشبه صوت انفتاح باب ( بخوخه ) قديم .. فلقد أخذت حمولتها البشرية أضعاف ما يمكنها منذ أن كانت واقفة في المحطة الأولي .. وهي لا تملك القدرة علي رفض العدد الهائل الذي كان في انتظارها لان سائقها يصرخ في الركاب : - مازال فيه فراغ .. التصقوا ببعض .. الدنيا برد فادفئوا بعضكم . الرجل العجوز الذي كان يتحدث عن الشيخ الخضر يحث جاره علي الركوب : - اركب يا راجل الأعمار بين الله .. - ولكن الله لم يأمر بهذا . رائحة التبغ تملأ العلبة المتحركة علي أربع عجلات .. والأنفاس ذات الروائح الخانقة .. كلها جعلت استنشاق الهواء عملية صعبة للغاية فحتى النوافذ الموجودة لا تكفي .. وإذا ما حاول احد الركاب فتحها وجد أنها مغلقة منذ صنعت وقد تراكم عليها الصدأ .. السيارة تهتز والكل يتماوج داخلها في تراقص غريب .. احد الركاب لا يستطيع أن يكبت رغبته في الشتيمة فينفجر في غضب : - حالة .. لعنة الله علي هذا الطريق القذر .. - شركات مجرمة غشاشة .. - وما ان بدأت الرحلة – التي تبلغ طولها عشرة كيلومترات تقريبا – في الاستقرار نوعا ، حتى أخذ الحديث مداره واتضحت معالمه بعد تلك الدربكة التي كانت قد حدثت بسبب وقوف السيارة في المحطة ، ويعود الكلام في اختلاط كتماوج الركاب مع كل اهتزازة تحدثها المطبات : - والله حاولت .. لكن قالوا لا يعطي إلا بواسطة .. ومن أين لي الواسطة !! - كلام فارغ ..المدير صاحبي .. كنت سواق معاه .. قال لي مثلك مثل الآخرين - قدم طلب وانتظر .... - لكنه أعطى صهره ما يحتاجه بدون أن يقدم طلب .. - يا راجل أولاد الشيخ يفعلون ما يحلو لهم .. - ابحث عن " كتف " تستظل به المثل يقول كيفما يأتي الزمان تعال له ... وفجاءة في احد الأركان يرتفع صوت سعال حاد ، من رجل لا يمكن رؤيته لاختفائه وسط الكوم البشرى .. وبعد لحظات يأخذ الرجل الذي كان يسعل في الحديث مع جاره : - ما باليد حيلة .. حاولت كثيرا قالو علاجي متوفر في المصحة الصدرية ، دخلت خمس مرات وفي كل مرة كان علاجي يستمر لمدة شهور دون فائدة .. - ولكن لماذا لا تبقي فيها حتى تشفي تماما .. - اولادى مزقهم الجوع .. وأنت تعرف الحالة .. احد الركاب يصرخ في السائق وهو يضرب سطح السيارة برجلة في جنون : - ايوه .. المساكن الشعبية .. وبعد عدة امتاز توقفت السيارة ، ونزل الرجل الذي كان يدق في عنف وهو ممسك بأنفه ، ثم اتجه نحو السائق ليدفع له ثمن الرحلة .. وتحركت السيارة مرة أخرى لمواصلة السير .. غير أن المحرك أخذ يحدث تقطيعا متواصلا يهتز معه كل من في داخلها .. وأخيرا توقف صوت المحرك نهائيا .. وبدأ السائق يحاول إدارته من جديد دون جدوى .. وبعد ان استمر في محاولته عدة مرات ..التفت نحو الركاب وهو يبتسم : - البطارية فارغة .. انزلوا " زقوها " . - ماذا ؟ ننزل وسط هذا المستنقع . - إذا أردتم الوصول إلي منازلكم . وخيم الصمت فترة من الوقت .. والعيون تلتقي وسؤال يدور بالأذهان ماذا نعمل ؟ .. وكان السائق مازال ملتفتا نحوهم وابتسامته في هدوء تزيد من غيظهم .. انه الآن يبتسم لينزلوا بينما سيبقي هو في دفء المحرك .. ونظر احدهم في ساعته .. وأطلق صفيرا حادا : - ساعتان في مسافة كهذه ..والتقت العيون مرة أخرى .. وعندما اخذ احد الركاب يطوى بنطا له لكي لا يتلوث .. كانوا قد بدأو جميعا في رفع بناطيلهم حتى ركبهم ، ثم خلعوا أحذيتهم .. ونزلوا الواحد تلو الأخر .. ثم تجمعوا خلف السيارة مستندين إليها وهو يستعدون لدفعها : - أحسن فكرة أن تتركوها هنا وسط الطريق .. لتعطل الحركة !! - لكن كيف نصل ؟؟ - هذا رأي . لنتركها ونسير بقية الطريق علي أقدامنا .. ويتدخل الرجل العجوز : - يا ناس العنوا الشيطان .. ولندفع السيارة ربما تصلح .. - هيا .. هيا .. " اللاويسطة ". واخذوا يدفعون السيارة وهي تسير إمامهم ببطء .. بينما يحاول احدهم ان يجد المعني لهذه الكلمة التي نطقوا بها في وقت واحد وهم يحاولون إدارة محرك السيارة المتهرئة .
جريدة الحقيقة : 17 مايو1969 العدد 1102 الخــــــــــوف
كانت تلعب بعواطف كل عابر ليعتصر الرحيق .. ليمسح عن التفاحة ذلك الشمع الرقيق اللامع ، ولكن الدودة الخبيثة سكنت في القاع ، ذات مرة وبدأت تنمو وتتحرك ، ورحل عابر السبيل عندما شعر بالخطر يزحف نحوه ، فأخذت تنصب المصيدة على النواصي وعبر واجهات الزجاج الشيقة العرض ، وتهدي الابتسامات عبر الشرفات ومن خلال أسلاك التليفون ، علها تمسك بذلك الوجه الهارب أو أي وجه آخر ، ولكن الجرذان أحياناً تعرف الخطر الذكي ، والدودة تكبر دون رحمة .. وأخذت تنتظر خروجها لتمسك بها وترميها في الشارع . ومر الزمن .. ثم دقت الساعة وأخذ الألم يزداد والأنين يرتفع والأسنان تصطك وتعض أصابعها في يأس ، وبدأ الماء يجري .. ما أقساه وهو ينحدر بلون الطين ، وانتهى كل شيء ، غير أنه أخذ يصرخ بحدة .. أنه لا يريد أن يعرف شيئاً .. لا يريد أن يسكن الكهوف المظلمة .. يحتج دون جدوى وصمت أذنيها عن الصراخ بكل شدة فما أبشع الصراخ .. ولكنها تتساءل ما أطيب صراخه عندما يكون اسم هذا الذي يتحرك مرسوماً في ورقة بيضاء ورقة تزينها بعض التعاريج كشباك العناكب .. فما الفرق إذن بين الاثنين ولم تعرف شيئاً سوى أنها وقعت وقد امتلأت أحشاؤها في وقت كانت فيه بعيدة عن أرضها !!! الأفواه تتناقل الخبر في همس مشوب بالدهشة والاستغراب : • لماذا فعلت ذلك ؟ • لا أحد يدري . • خسارة . • جيل فاسد . العيون تنظر إليها في أسى وحزن ووسط قطعة من القماش كان شيء يتحرك على الناصية تحت شجرة وارفة الظل ، ووقفت من بعيد تنظر إليه وودعته بعينيها ثم اختفت وفي داخلها ألم يتفاعل مع الزفرات .. والأرض تدور تكاد تنفجر .. الهوة السحيقة تكبر وتكبر .. المارة ، مع الصباح الباكر ، يرمون قطعة القماش بنظراتهم الحادة ويبصقون على الشجرة ، بل منهم من يتبول على جذعها : • يا صبح يا فتاح ! • حرام .. مسكين . • الدنيا جاءت بما فيها . • إنها علامة القيامة • شباب فاسد .. العلم أفسدهم . • لا والله .. الشبع .. البترول . • مسكين .. جيل تعبان . • إنه جيل المقاهي والحانات . • جيل الثراء المفاجئ . • لم يذوقوا مرارة الاستعمار والمعتقلات . • لديهم ما يكفيهم .. إنه أفظع ! ألواح من الزجاج تتهشم والناس يمرون فوقها يسحقون القطع الباقية .. قامة فارعه الطول تنحني لتنقل قطعة القماش ، ولكن الأعين تكثر وتتجمع وتسأل في سخرية ، وفكرة تتلاشى : • يا رجل اتركه .. إنها مسئولية . • ولكن .. إنها ليست جريمته . • ماذا ستقول له غداً ؟ .. • سأتبناه ليس لدي وريث . • حرام لا يجوز . • هل تعملون بالحرام والحلال ؟ ويأتي رجل أخر ولكنه في زى يختلف عن الواقفين بيده أوراق يخربش عليها المشهد ، ثم يحتضن القطعة والأعين تنظر إليه ، والصراخ يزداد دوياً بحثاً عن السائل الدافئ . في مكان أخر تجلس امرأة .. المرأة نفسها في زاوية حجرتها ، ورغم الحائط فإن العيون تلاحقها ورؤوس تتكئ وشفاه تهمس وضحكات عالية تفرقع .. عجائز الشارع يسرقن السمع وعيونهن تتلصص عبر خروم الأبواب الموصدة عن المزيد من الأخبار • خسارة .. أمها طيبة الله يرحمها . • ماذا لو لم تكن متعلمة . • إنهن يسخرن منا نحن الجاهلات . • كانت كل يوم تذهب للسوق عشر مرات . • والآن ؟ • قالوا مريضة • جيل فاسد .. خسارة ! . أيدي رجال الشارع نفسه تلوح من بعيد كلما وجدوا النافذة مفتوحة لقد عرفوا من زوجاتهم كل شيء ، ما أقسى هذه العجائز، والابتسامات البلهاء تطلقها رغبات مكبوتة تقذفها شفاه حفر عليها الحرمان سطوراً قبيحة المنظر . ولكن .. الليل يتوالى .. مرات ومرات .. وذهب الألم .. ومات كل شيء .. النسيان تكفل بهذه المهمة الصعبة .. وبدأ الصراع من جديد وحشة الوحدة القاسية دون أنيس والأشباح تطرد النوم ، وسياط تلهب الجسد الغض .. الأحلام الوردية تلف المكان وتعيد حلاوة المغامرة . السيارة الفاخرة ذات السقف الأسود تجري ، سائقها تحنط في وسطها داخل بدلته اللامعة ، يبدو أنه في الخمسين ، شعره مستعار ، لقد تصلبت يده على عجلة القيادة ورغبة في نفسه تقوده ، أنه طوع رغباته لا يستطيع عنادها .. يتحسس جيبه فيجده مازال عامراً بالأوراق الخضراء ثم يتذكر الأرباح المنتظرة التي سيجنيها من صفقة العمال الجديدة فسوف يزود إحدى شركات المقاولة بعدد من العمال ينتظر وصولهم بالباخرة ، مقابل عشرين جنيهاً في الشهر عن كل رأس ! وأخذ يبتسم .. ثم زاد من سرعته الأشجار تتسابق متعاكسة في شريط وهو جاد في بحثه عما يدور في ذهنه رغم الأزقة الممتلئة بالأطفال فإن سيارته لا يريدها أن تتوقف دون تحقيق رغبته وأخيراً وجدها .. ما أشهاها ! ..ما أجمل جسدها .. كانت تسير عبر الشارع تتلفت أمام الواجهات .. وشعر برائحة تجذبه نحوها .. فتوقف فجأة ، ليقفز من سيارته ، وبدأت اللعبة أنها لا تعيره انتباهاً .. أو هكذا فأخذ يسير خلفها كالمسلوب .. كان يثيره دائماً منظر الحسان المتمنعات واستمر في مطاردتها ينصب الفخاخ في طريقها يحوم حولها كنسر يبحث عن بقايا جيفة .. ولم ييأس فهو يعرف الكثير .. ومر وقت أحياناً يحس بأنه يختنق وسيموت كمداً إن لم يفز بها .. إنه عابس لا يريد الهزيمة .. فلقد ذاق طعم النصر ذات مرة عندما كان يعمل طباخاً مع الجيش المرقع .. غير أنه عرف بأنها تماطله لتجعله يسلك طريقاً أخر معها : • إذا تريدني حقاً أمامك طرق شرعية . • ليس لدي وقت لذلك .. ولم ييأس فقد عرف بأن طريد ته ستقع حتماً في شباك أوراقه الخضراء .. فقط لكل شيء أوانه .. وبعد أيام كانت تقف أمامه مستسلمة .. وبعد أن حاولت .. وحاولت .. ولكن ؟ .. فلقد توالى الليل مرات ومرات ، بوحشة الوحدة القاسية دون أنيس والأشباح تطرد النوم وسياط تلهب الجسد .. وأخذت الأحلام الوردية تلف المكان ببهجة الماضي .. ولقد طوقها بالشباك حتى اختفت داخل جيبه المتخم بعرق الضائعين عبر أنابيب الصحراء .. وضمها بقوة وبالرغم من شعوره بأنه يمتص عصير فاكهة حامضة فقد همس في أذنها بصوت مشوش : فلنأخذ حقنا .. فقد تكون نهايتنا غداً . ثم أخذ يحدث نفسه متلذذاً .. أي بهجة هذه .. لا مكان لغد قد تكون القيامة الآن .. بعد ثوان .. فربما ضغط أحد المجانين الكبار على الزر الأحمر فتسقط القنابل كالمطر فتصهر العالم .. وربما .. يثير هذا الجيل الفاسد المشاغب .. ربما .. فمن يدري ..
جريدة الحقيقة 24 مايو 1969 العدد 1108
الشيء المفقود ..
سمع طرقات خفيفة على باب الحجرة ، كانت شبه استئذان رفع بصره فالتقت نظراته بامرأة شعر بسخونة سرت في جسده ، أنه يعرفها، فهذه جارته في الشقة المقابلة ، وقبل أن يستطيع أن يتساءل مع نفسه عن سبب مجيئها ، كانت قد ابتسمت وهي ترفع إصبعها مشيرة نحو جهاز التليفون .. فعرف أنها تريد أن تتصل بمكان ما .. وقف في ارتباك .. وهو يشير إليها بالتفضل .. فاتجهت نحو الجهاز .. وعندما أمسكت بالسماعة رمت بنفسها على الكرسي المجاور للمنضدة ووضعت رجلاً فوق الأخرى . ثم أخذت تدير قرص الأرقام . كانت امرأة رشيقة ترتدي فستاناً يلف جسدها في إغراء .. خصوصاً إذا ما تبعها وهي تصعد السلم .. لقد كان كلما رآها أو بالأصح شاءت الصدفة أن يسير خلفها وهي تصعد إلى شقتها ، شعر بشيء في داخله يحرقه . يلدغه كالثعبان .. فهي رغم الكبر الذي يبدو على ملامحها ، جذابة بشكل لا يقاوم ، شعرها الفضي القصير يبعث في نفسه دفئاً لذيذاً .. ولكم تمنى مراراً لو داعبته أنامله . أثناء حديثها كانت تهز رجلها في إيقاع مع الكلمات ، مما زاده شعوراً بأن حرارته غير طبيعية ، وبأن شيئاً في داخله بدأ يتحرك .. كعبها الذهبي الذي يعكس أشعة الشمس المتسللة عبر النافذة ، هو الأخر زاده نوعاً من الذهول .. ترى هل تفعل ذلك عفواً ؟ أم بقصد ؟ ! .. لقد كانت تبادله تحية الصباح كلما التقى بها .. ولقد كان يعرف بأنها تقيم بمفردها في الشقة فقد سأل عنها البواب الذي يقوم بخدمة السكان .. أنه لا ينكر بأنه تبعها ذات مرة عندما خرجت .. كان يراقبها من بعيد ، وهو مقتنع تماماً بأنه لم يفعل ذلك عفواً فقد كان يعجبه ذلك الإغراء المنبعث من خلال مشيتها الراقصة ، ومع ذلك فلم يفكر يوماً بمحاولة التقرب منها .. لا يدري لماذا ؟ ربما تردده هذا مرجعه الخوف من الناس .. وربما لعدم توفر الشجاعة في مخاطبة امرأة غريبة عنه .. كانت مسترسلة في حوارها بلغتها الصعبة الفهم ، وكانت تطلق ضحكة خفيفة بين لحظة وأخرى .. وعندما أخذت تفتح حقيبتها بيد بينما الأخرى ممسكة بالسماعة .. أخرجت علبة السجائر ، كان قد أخرج ولاعته .. وضغط عليها فاندفع اللهب فجأة .. قلل من ارتفاعه .. ووقف منحنياً على المنضدة التي تفصلهما ، وأشارت له بيدها شكراً .. وابتسم لها برد هامس وحمرة تعلو وجهه وأحس من جديد بأن حرارته مازالت مرتفعة .. وعندما جلس على الكرسي أخذ يفكر .. ترى كيف سيبدأ معها الحديث وعاد فتذكر مشكلة أخرى لو حدثت .. فماذا لو قدم أحد الأصدقاء .. أنه سيفسد عليه خطته .. غير أنه ابتسم مع نفسه .. أية خطة هذه ..
|