الخروج من عين الإبرة


قصـــــص قصــيرة




رجــــب الشلطامــي


إلــــــــــي :

نبض الوطــــن .. مدينــــة بنغـــــــازي

رغم رطوبــة الجـو... وقسوة رياح القبلي

وتقلبــــات الـدهـــر




يحكــى أنـــه ...

كانت الحاجة " قسامي " امرأة بالغة الحكمة .. ثاقبة النظر .. بعيدة التفكير .. وكانت أيضاً تمثل قمة الطيبة في الشارع القديم ، وبالتالي فقد امتدت سيطرتها إلى جميع الأحياء المحيطة بكوخها العتيق .. وكانت إذا نطقت بكلمة تناقلتها النسوة عبر خروم الأبواب السبعة ، ويسهر الرجال ليالي طويلة حول " عالة " الشاي وهم يسبرون غور تلك الكلمات التي تسللت عبر فم الحاجة قسامي الخالي من كل شيء ، وحتى فقيه الشارع كان عاجزاً بكل ما في صدره من كلمات مترادفة عن إيجاد تفسير لما تقوله تلك الحيزبون الدردبيس .. فمثلاً إذا حدث أن أراد أحد جذعان الشارع أن يكمل نصف دينه فعليه استشارتها ، لتضرب له المندب أولا .. ثم تهمس في أذنه بأسرار أهل العروس التي اختارها .. وعما إذا كانت العروس فعلاً هي ابنة ذلك الذي يطلق عليه اسم والدها .. وهى عادة تختم حديثها بأن العلم عند الله وحده ..
وقبل أن تنسى تماماً ما تريد قوله تطلق أحدى مآثرها البالغة الحكمة ( اللي فيه النصيب أيبان ) .. وكانت الحاجة قسامي تعرف تماماً بأنها ستقبض ثمن الاستشارة .. و بقدر الدفع تكون قيمة الحكمة وبنوعية طريقة الدفع ، إن كانت مقدماً أو على أقساط تكون الأسرار الخفية .. هي تعرف أيضاً أنها ستنال نصيب الضبع في هذا المشروع الحافل بالعطايا ..
فأنفها ينبهها بأن والدة العريس ستأتي في الغد للتبرك بأخذ المشوره ، وفي اليوم الآخر سيفد والد عريس الشارع .. وبعد أيام ستتوالى وفود أهل العروس ..
والحاجة سالفة الذكر امرأة بالغة الطيبة ! تستطيع أن تعطي أكبر قدر ممكن من المعلومات .. وتستطيع أيضاً أن تلغيها في اليوم التالي بإصدار بيان شامل لكل كلمات التكذيب وبان الاستراتيجية الحيزبونية للانتصار على الأعداء في خلق بيت سعيد ، هي التي أوحت إليها بهذه الخطة لتضليل الحساد !! في التصريح بمثل هذه المعلومات التي لا أساس لها من الصحة .. أبداً .. وإطلاقاً .. وفي الحال تتناقل النسوة بيان الحاجة قسامي الخالي من نصف كلمة اعتذار ، عبر خروم الأبواب الموصدة بواحد وعشرين مزلاجاً .. وتهدأ النفوس .. وتنطلق الأعيرة النارية معلنة بداية الأفراح والليالي الملاح وترتفع طبول " الغيطة " وهي تعبر الأحياء المجاورة و( قولوا لمي يانا المريض ) .. وتبدأ مراسم الاحتفال بصراخ الرجال في الحوش المخصص لهم لمدة أسبوع بأغاني العلم البالغة الحكمة أيضاً .. والتي رواها الآباء عن الحاجة قسامي،فهي أيضاً خبيرة بفروع "العلم " ومشتقاته .. فقد حدث أكثر من مرة أن يطلق أحد الرجال الجالسين طيلة الأسبوع ، ركبة ونص ، أغنية ( علم ) تعني شيئاً ما لأحد الحاضرين .. غير أن المقصود بهذه الأغنية يعجز أحياناً عن إيجاد الرد المناسب .. وفي هذا عار وأي عار .. وقد تنتهي السهرة دون الحصول على الرد المطلوب .. والتأليف لا يجدي في مثل هذه الحالة فضروري أن يكون الرد من الأغاني المتوارثة عبر الأجيال .. وما أن تكشف الشمس عن قيء الجالسين حتى يهرع ذلك العاجز عن الرد على أغنية جليسه .. يهرع إلى الحاجة قسامي ، دافعاً إليها بنصف العقار الذي ورثه ، لتعطيه الرد المكون من خمس كلمات .. لكنها بالغة الحكمة !!
ويحكى أيضاً بأن عهد الحاجة قسامي قد استمر سنوات طويلة .. وطويلة .. حتى صار أطفال ذلك الشارع كباراً .. وقد روي لهم آباؤهم من مآثر الحاجة الطيبة الذكر ما يكفي لحمل حمار من الأسفار المتوسطة الحجم .. ومن أحسن مآثرها الخالدة مثلاً " رزق السطير يطير" والمأثرة الثانية أن رزق" الماء يمشي للماء" .. وقد لا يستطيع المرء أن يجد تفسيراً لهذه الكلمات البالغة الحكمة سوى أن الذي يعمل حداداً أو ميكانيكياً أو أي عمل صناعي سوف لن يكون صاحب جاه وثروة حتى ولو شيد مصنعاً للصلب !! وإن الأخر الذي سيشتغل بأية حرفة يدخل فيها الماء كعنصر أساسي ، فأنه لن يستطيع أن يجمع عشر جنيهات مرة واحدة ، وأخيراً فإن الاثنين ومن معهما سيموتون من الجوع حتماً .. أليست هذه مأثرة بالغة الدقة ؟؟
حسناً .. ولقد آمنت بهذه الأقوال البالغة الحكمة أجيال وأجيال .. دون أن يستطيع أحد ما من المذكورين في ذلك الحي أن يرفع رأسه ذات مرة متمرداً على لوائح الحاجة " قسامي " .. لماذا ؟ حسناً .. لأن الحاجة قسامي امرأة بالغة التأثير .. ثاقبة النظر .. بعيدة التفكير .. وكانت أيضاً تمثل قمة الطيبة وبالتالي فقد امتدت سيطرتها على جميع الأحياء المحيطة بكوخها العتيق وأيضاً على جميع الرجال العاملين .. وكانت تلك قوة أخرى أكثر بطشاً وأكثر رعباً وأكثر قسوة .. تملك من اللعنات ما يعجز الشيطان عنه أحياناً .. فإذا غضبت فالعاصفة تهب بإشارة من إصبعها والزلزال يدمدم بخبطة من قدمها .. والبيوت تخرب بكلمة تطلقها عبر فمها الخالي من كل شيء إلا اللسان وبقايا السوس ! .
حسناً .. فتعالوا نسمع المزيد من أخبار الحاجة قسامي ..
لقد تمرد عليها ذات مره أحد الرجال .. وكان آنذاك شاباً متهوراً عاكسها ذات ليلة امتلأ فيها " بالبوخة " حتى حافته وقد حكمت عليه السكرة بأن يقضي وقتاً ممتعاً في كوخ الحاجة قسامي ، لكنها طردته لأنها اكتشفت بأنه لا يملك الثمن لتغطية تكاليف المرأة الجديدة التي استطاعت أن تغريها بالفرار من زوجها لتسير معها على دربها البالغ الطيبة !! وكان المذكور سابقاً في ذلك العهد شاباً متهوراً وهمه في رأس غيره ، فلم يكترث باللعنات التي ساقتها خلفه الحاجة قسامي عندما صفعها بكل قوته فسقطت حتى الصباح مغشياً عليها ، في حين قضى وقته الممتع بالمجان مع المرأة المختفية وسط الجرد .. ولم تستطع الحاجة أن تقوم بشيء ضده سوى أن فبركت له من الإشاعات والأقاويل ما يكفي لمغادرة الكرة الأرضية خجلاً .. ووهبته من الدعاء بخراب بيته وبيت ذويه وأصدقائه وبني عمومته ما يكفي لهدم أكبر مدن العالم اتساعاً .. ولكنه تمرد عليها وأصر على البقاء في الشارع ، ونكاية فيها وإيغالا في التشفي منها فقد اشتغل ميكانيكياً ثم حداداً ، وفي جميع الأعمال المخالفة لإشارات ومآثر الحاجة قسامي .. وكانت تنظر إليه بحقد أكبر كلما مر من أمام كوخها العتيق .. وكان سكان الشارع يتوقعون له الخراب لا محالة .. ولكنه لم يصب بأذى طيلة تلك السنوات .. العامرة بالخيرات .. والتي تلت سنوات الجوع مباشرة ..
ويوم أن استطاع سالف الذكر أن يأخذ رخصة متعهد ماتت الحاجة قسامي كمداً على دعواتها التي لم يخلص الشيطان في تحقيقها كاملة .. وبكاها الشارع القديم والرجال خاصة .. فقلد ماتت الحاجة قسامي .. المرأة البالغة الحكمة الثاقبة النظر .. البعيدة التفكير .. والتي تمثل قمة الطيبة أيضاً .. ماتت لأن الشيطان اللعين عجز عن تنفيذ دعواتها .
فتعالوا مرة أخرى نسمع المزيد .. وإذا ما دعا الأمر أحياناً فلنطرق في خشوع احتراماً لمآثر الحاجة قسامي التي ذهبت هدراً .
لقد كبر المتعهد الصغير وأصبح يملك من المال ما يكفي لثلث سكان المدينة .. ولديه من السيارات ما ينشئ عشرات السدود وناطحات السحاب .. ويعمل تحت اسمه مئات من الذين يوقعون على كشوفات في أخر كل شهر أمام أرقام هي أكبر حلم لأولئك المحرومين .. ولقد هجر سالف الذكر ذلك الحي ، وأيضاً نسى كل سكانه .. وأخذ يمضي كل أشهر الصيف في أجمل المصايف المنتشرة على حافة الدنيا ..
وكان فخوراً لأنه تمرد على الحاجة قسامي واستطاع أن يشعل قلبها غيظاً حتى وهي تحت التراب .. وكان يخرج لها لسانه عندما تزوره في أحلامه ..
ولم يكن يتألم إلا لسماع مآثرها الخالدة أبداً .. فلقد ماتت الحاجة قسامي .. ولكن أفكارها ومآثرها وحكمتها البالغة الدقة بقيت لم تمت .. ومع ذلك كان يشعر بقوة ، لأنه استطاع أن يحطم أعصاب الحاجة قسامي التي رفضت ذات ليلة أن تسمح له بالبقاء مع زوجة جاره بالمجان !
فهل انتهت القصة ؟ أبداً ففي جراب الأسطورة ما يكفي .. فلنسكت ..
فلقد دخل الإنسان عصر القمر .. وإذا كان ارمسترنج قد ذهب في زيارة نووية ودية لسكان القمر ! متفقداً أحوالهم ! محملاً بالهدايا بما يكفي لعيش الزنوج ، القاطنين على الأرض ، ألف سنة قادمة في مستوى أنساني راق ..
فإن المذكور في الجزء الثاني من الأسطورة والذي تمرد على الحاجة المذكورة في الجزء الأول ، قد ذهب أيضاً في سنة ما إلى أحدى البلدان الفقيرة ، محملاً هو الآخر بالجواهر بما يكفي لإنشاء مصنع ثقيل الوزن .. أو بفكرة أكثر وضوحاً ، بما يكفي لشراء جميع ما في العالم من أسلحة حتى الجرثومية منها .. وقبل أن تتشعب الطرق المؤدية إلى روما .. دعونا نتابع رحلة المذكور ، كما تقول الأسطورة لقد حملت زوجته وبناته وحتى الخدامة ما يكفي من الجواهر لكل من ذكر أعلاه .. وذهب في رحلة صيف لدى الشعوب الفقيرة إلى الله أبداً .. وهناك بدأت الاستعراضات الشيقة .. والعيون الجائعة تلهث خلف المعاصم المربوطة بالجواهر واللعاب يسيل كلما أدخل المذكور يده في جيبه فهي حتماً ستخرج بما يكفي مصرف أسرة طيلة شهر كامل .. ثم بلغ السيل الزبى عندما بدأت تلوح في الأفق بعض كلمات الإهانة .. لطرد أولئك الجائعين .. وأخذت الكلمات التي تعلمها المذكور في حي الحاجة قسامي ، تخترق الأذان الحزينة .. وبدأ الحقد مضافاً إليه الفقر وقليل من الأشياء الأخرى .. بدأت تتفاعل لتولد الانتقام ..
وذات ليلة قمرية ، تسلل الشيطان عبر النافذة المفتوحة .. بعد أن أخذ الخفير كفايته من التدخين ! ونام الكلب وقد امتلأ بطنه بأجود ما قدم له من الفضلات الدسمة .. تسلل عابر السبيل الليلي ! وقصد رأساً الصندوق القادم من الجنة .. وخرج دون أن يأتي بحركة ، ودون أن يستطيع احد الشعور بخفة يده وخرج معه نصف ما في الدنيا من ثروة ..
وأفاق المذكور بعاليه ، عندما زارته الحاجة قسامي في الحلم واطلعت له في هذه المرة لسانها ولقد لعنها ثلاث مرات ثم نام .. ولكنها عادت ولسانها أكثر طولاً ، وكانت تشير نحو الصندوق ، فاتحة فمها الخالي من كل شيء بابتسامة ماكرة ، وهي تذكره بإحدى مآثرها البالغة الحكمة " رزق السطير أيطير " وأفاق مرة أخرى ، وهرول نحو الصندوق المصنوع في الجنة فلم يجد إلا (الهواء المريس ) فوقع على الأرض .. دون كلمة واحدة ..
كان من الممكن أن تنتهي الأسطورة إلى هذا الحد .. ولكن ما وقع كان أكبر من أسطورة التنين أيضاً .. فتعالوا نتابع دون أن نكلف أنفسنا عناء الزعل لأننا لم نخسر شيئاً حتى الآن .
فعندما عاد المذكور إلى وعيه ورجع ، كان أول شيء فكر فيه هو القيام بزيارة للحاجة قسامي طلباً للسماح والبركة .. وفي اليوم التالي مباشرة كانت السيارة تسير على قبور الموتى المنسيين ووقف عند رأسها كالطفل يبكي وبكى ما يعادل ثلاث لترات من الدموع المالحة .. ثم نخط عدة مرات .. ووقع على مقدمة السيارة مغشياً عليه تماماً كما فعل للمرحومة في السابقة .. وفي اليوم الأخر كان قد استدعى سلاح المهندسين التابع له وأمرهم بالتفرغ كلية لتصميم أحدث قبر للحاجة الطيبة التي خالفها ذات مرة فلاحقته لعناتها البشعة المفعول ..
فاحذروا مرة أخرى .. أن تزوركم الحاجة وأنتم نائمون .. لتذكركم بأن " رزق السطير أيطير " .




جريدة الحقيقة 23 أغسطس 1969 العدد1186






الفروع اليابسة

افعلوا ما شئتم من أجل هؤلاء .. أكتبوا عنهم ما يحلو لكم من طيب الكلمات .. أشيدوا بمواقفهم عبر الأزمان وفي كل مكان .. أرفعوا حناجركم بالصراخ من أجل رفع أجورهم أعلى وأعلى وأعلى قارنوهم بكل الموجودين في جميع مناجم الدنيا وسدودها ومصانعها .. وإذا شئتم أيضاً فأقيموا لهم نصباً تذكارياً فوق كل " عالة شاي " وتحت كل جدار مظل وعلى كل منضدة معدة للعب الورق .. وأقيموا نصباً أضافياً فوق كل " سيزة " .. وبالتالي احتفوا بهم في كل شارع يعبره أحدهم وهو يتهادى ، واطلبوا من الأطفال والرجال أن يقفوا على جانبي الرصيف ويلهبوا أيديهم بالتصفيق الحاد لهذا الإنسان العظيم منذ قدم التاريخ والذي استطاع أن يصنع من الحيل ما عجز الشيطان عن الإتيان بمثله .. افعلا كل ما هو طيب ، وحرصاً على راحة كل واحد من هؤلاء ، وضماناً لعدم غضبته عليكم اقترح أن تضعوا كل واحد منهم في هزاز كالطفل وتدحرجوا به حتى يأخذه النوم .
ولكن .. وقبل أن تفعلوا هذه وتلك ، تعالوا معي لنتتبع هذه الحادثة .. ثم أرجموني وذلك إذا ما رأيتم خطأ المطالب سالفة الذكر .. فربما أكون قد طالبت بالقليل .. القليل جداً مما يجب أن يقدم للإنسان النشط المخلص لأنه في الواقع يستحق أكثر من ذلك .. أنه يستحق أكثر من " عالة شاي " في كل شارع .. ويستحق أكثر من جارية تمسح له العرق ! .. ويستحق أكثر من ثلاثمائة وخمسة وستين يوماً إجازة في السنة .. وأيضاً يستحق اثنتي عشرة زيادة شهرية ، ويستحق ثلاثين علاوة أخرى .. وهو ، أعني إنساننا المخلص المذكور فيما بعد ، يستحق وعن جدارة أربعاً وعشرين ساعة إضافية في اليوم تصرف له مضاعفة وفقاً لقانون العمل .
أما أنتم يا سادة فلا تستحقون أكثر من قطع رؤوسكم على النطع لأنكم لم تقتنعوا بالافتتاحيات التي تكتب عن العامل الوطني .. ولقد حاول كل الكتاب الملتحمين بالصحف في مقالات مكررة مراراً أن يقنعوكم بجدوى الإيمان بهذا الإنسان العظيم وطالبوكم بإتاحة الفرصة له فقط لتذوقوا مما كنتم تخافون ، مع ذلك كان هؤلاء الكتاب كالنافخين للجمر المطفأ .. وذلك فقد حقت عليكم أللعنه إلى يوم القيامة .
ومرة أخرى قبل أن تفعلوا هذه وتلك ، وقبل أن ترموني وترموا الآخرين بالكلمات النابية التي لا تجيدون سواها .. ها كم هذه الحادثة تسلوا بها قبل أن تغرقوا في بحر السباب المكان بالتحديد ، الشارع الكبير الذي يتربع في وسطه فندق الغلة .. حيث يجد المرء طابوراً على طول النظر من العاطلين تحت الشمس ينتظرون فرج الله عليهم بعمل يقتاتون منه .. هكذا يعتقد كل عابر من هناك .. ويشتم كل عابر في سره هذا الفقر الذي يبدو على ملامح هؤلاء .. ولكن ما أن تقترب منهم وتهمس لأحدهم .. عفواً .. قلت تهمس لأنك لا تستطيع أن ترفع صوتك أمامهم وإلا فعلى مصلحتك السلام ! .. حسناً ..
• يا جماعة أريد عاملين أو ثلاثة
• شن عندك ..
• صوليته ياخويا .
• عندي سيارة رمل وأخرى حصى أريد نقلوهما إلى دور أول .
• كيف حالك بالله .. كم تدفع في اليوم ؟ !
• يا جماعة العملية لا تستحق يوم .. خذوها بمبلغ معين .
• يفتح الله .. نخدم باليومية .. كان تبي .
غير أن منظر كثرتهم يغريك بالذهاب إلى مجموعة أخرى ، وتهمس هذه المرة بصوت أقل ، بمثل طلبك السابق ، وتكتشف أن مطالبهم واحدة وكأنهم أطلعوا عليها في النشرة الصباحية الخاصة بالعاطلين ! ..
وأخيراً لا تجد حلاً لمشكلتك إلا أن تأخذ منهم اثنين .. وقد رشحوا أنفسهم بأنفسهم ، ولم تختر أنت من تريد للعمل معك ، لأن المسألة بالدور.. وإذا اعترضت ، فهم في غنى عنك.
• يا خويا تدفع اثنين جنيه في اليوم لكل واحد منا .
• يا سادة العملية لا تستحق يوماً .. الساعة الآن التاسعة .. إذا اجتهدتم فالساعة الثانية عشرة يكون كل شيء منتهياً .
• اسمع يا عرفي إذا كان تبي عمال هذي شروطنا وإلا عدي جيب من الخارج .
• يا ساتر .. اتفقنا .. هيا معي ..
• معاك سيارة .. وإلا تأخذ لنا تاكسي ؟ .
• معي سيارة .. تفضلوا .. وضعتها في الشارع القريب من هنا .
• طيب أذهب أحضرها ومر علينا .
وكأي رجل طيب يخاف الله يوم عبوساً قمطريرا .. تأتيهم بسيارتك وزيادة في الطيبة تقفز منها كما يفعل سوا قوا الأمراء في الشرق وتفتح لهم الباب ليجلسوا على الكرسي الخلفي معاً في تراخ واضح كالشمس تماماَ .. ويتحدث أحدهم إلى رفيقه :
• والله الشكاية لله وحده .. أظهري أنحس فيه منقند .. حتى الوقوف غالبني !!
• والله لو ريت خيك .. ما قريب أوعيت اليوم ؟
ويملأ قلبك السرور .. لا تدري لماذا ؟ ربما لأنك استطعت أن تفوز بعاملين من خيرة المجموعة .. وتقفل الراديو لأن لديك من الفرح والبهجة ما يكفي لكل الأحياء في الدنيا فيما أحدهم يطلب منك سيجارة :
• يا عرفي .. سبسي .. بالله شن تشرب ؟
ومن شدة الفرح لم تستطع أن تتكلم فتظهر لهم العلبة ليشاهدوها وإذا ما عجبتهم فليأخذوها كما هي .
• دخل .. تشرب في أسبورت السيارة لك بالله .. وألا شاحتها ؟
ولأنك رجل حريص على سلامة المارة فلا تريد الإجابة على السؤال الموجه إليك وقد اختتمه السائل بتشخيره طويلة .. والخلاصة وصلتم مكان العمل الساعة العاشرة تقريباً .
• بس أنت قلت دور أول ونحن انشوف في دورين .. المهم إذا كان تبينا نشتغل اتزيدنا جنيه كل واحد منا .. وإلا حطنا منين ما خذيتنا ! !
وتبدأ في حك رأسك وقد زادت نوبة الفرح التي اجتاحتك منذ قليل وتصعد إلى حيث يعمل الأسطى الأجنبي الكسول دائماً في نظر بقية المخلصين .. وتجده في انتظارك منذ وقت ، لأن المواد تكاد تنتهي وهو لا يريد أن يتوقف دون عمل .
• دخيلك عاوز حصى ورمل بسرعة ما بدي أتوقف.. من شأن أيش اتوقف؟ دخيلك ..
• حاضر يا سيدي ..حاضر .
وتهبط السلم في سرعة مدهشة نحو العمال الذين فزت برضاهم للعمل في جحيمك المكون من ثلاث حجرات .
• ياجماعة اتفقنا ساد فع لكل منكم ثلاثة جنيهات .
• زيدك عز أفلوس بترول خلونا انذوقها !
• طيب هذا الرمل وهذا الحصى والأدوات معدة للعمل .. تفضلوا .
• حاضر .. كون متهني .. الساعة كم يا عرفي .
• الساعة عشرة وربع .
• أوه .. وقت الفطور الآن .. شن درتلنا .. راهو ألشاهي الأحمر مش صاحبنا .
• نعم ! ؟
تقولها بفرح ! لأن التعبير بفزع لا يعطي الصورة الكاملة لحالتك المنهارة .. فيرد عليك صاحب الخبرة الطويلة في الجلوس على الرصيف .
• ياخويا أكرمنا اليوم وبكرة يفرجها ربك .. العادة أن صاحب الحوش قبل ما أيجيب العمال أيكون أمجهز الفطور والغداء .. والا ما نكش من الوطن ، مازقرو ؟!
• فيرد عليه رفيقه الأكثر نحولاً وعلى ملامحه نظرة فاحصة لكل ما حوله :
• يمكن وطني بعد البترول .. يا لطيف عليك جراد .. تلقاه جاي أمس واهو يبني في بلاس ع الثاني .
• يا جماعة بلاش كلام فارغ نحن لم نتفق على الفطور.. اتفقنا على العمل فقط.
• يا سيدي السلام عليكم .. أد فعلنا ها لساعة ونصف .. وربي أيزيدك خير وبركة .
• يا جماعة عيب والله .. العملية لا تستحق كل هذه المناقشات والمساومات .
• يا خويا ليش ما أديرها أبروحك انكانت سهلة ؟
• طيب .. اخدموا وسأحضر لكم الفطور حالاً .
• راهو ما ناكلوش خبزه وشاهي حاف .. يعني أنت ولد وطن وتعرف الأصول .
وتسير نحو محل البقال القريب وأنت ترقص من الفرح ! وتشتري كل ما تعتقد أنه من واجب الضيافة وتعود إليهم محملاً بما لذ وطاب وأنت فرح كأنك تقاد إلى جهنم ! وهل هناك مكان أخف وطأة مما أنت فيه لا أدري .. وتجدوهما قد جلسا على طرف كوم الرمل وقد رسما حفراً لإعداد " المتخطية " ووقف أحدهما لإحضار مجموعة من الحصى ومجموعة أخرى من قطع الزجاج الصغيرة .. ويستقبلك الجالس بكلمات الترحيب :
• أيوه يا عرفي زيدك عز والنبي من غير مؤاخذه أكبر لنا نار غير صاحبي غالبني في طرح متخطية ..
• يا جماع والشغل ؟
• يا خويا نحن في استراحة الفطور الآن .
• جميل .. والاستراحة إن شاء الله كم تستغرق حسب القانون .
• قانون شنو .. شورك طيب الاستراحة ساعة بالمنقال !
• يا سيد القانون أيقول نصف ساعة وانتو لم تشتغلوا بعد .. والأسطى في انتظار الرمل والحصى .
• خليه أيعيط .. مانك عاطيه بالميترو .
• يا جماعة أفطروا بسرعة وهيا للعمل .
• كون متهني .. عدي أنكان عندك شغل .. ساعتين وكل شيء ينتهي إن شاء الله .!
• شكراً .. أخذت إجازة اليوم وسأبقى هنا في انتظار شغلكم .
ولا يجيب على كلماتك .. بل يتجه نحو صديقه الذي أتى بمجموعتي الحصى والزجاج استعداداً لمباراة (المتخطية) ويأخذان في تبادل الحديث عنك دون أدنى شعور بالخجل .
• شورها حصله خدمتنا اليوم ؟
• ما هو منك أنت اللي وافقت .
• مازال أقريب .. هيا .. أيخلصنا في ها لساعتين وانعدوا.. الشغل واجد .
• خلاص النهار راح .. خلينا نطيب الماهية اليوم وبكرة يفرجها ربك .
• يا عرفي وين النار .
وترتفع درجة السعادة عندك فتتجه نحو كوم الأخشاب وتأتيهم بما يكفي لإشعال نار الفطور ، وأنت صامت كالطفل الأخرس .. وترمي أمامهم بقايا الأخشاب ..بينما صراخ الأسطى الذي زاد من سعادتك ينطلق منادياً ، فتسرع نحوه لتجده وقد توقف تماماً عن العمل في انتظار المواد .. وتأخذك الدهشة .. ثم تزعل لأن الأسطى يعمل بمفرده دون مساعدة وهو يقوم بخلط المواد ثم يأخذها بالجرد ل ويصعد بها السلم ليستمر في عمله دون أن يتوقف لإشعال سيجارة .. وبكل صبر تنظر إلى الساعة .. فتجدها قد أشارت بأن فترة الإفطار انتهت منذ عشر دقائق .. فتهبط نحو الجالسين على الرمل لحثهم على بدء العمل .
• يا عرفي كنك مستعجل .. الله خلق الأرض في سبعة أيام !
• يا سيد وأنا أريدكم ترفعوا سيارة رمل وأخرى حصى في سبع ساعات ابتداء من الآن ..
• أقريب .. تحسابها خبزه .. يعني بثلاثة جنيهات أتريد تقتلنا .
ولأنك بدأت تعلن عن سرورك بصوت مرتفع ،أراد أحدهم أن يقطع عليك خط سعادتك بأن يخفف عنك الوطء، لأنه يريد إفهامك بأنه أكثر شعوراً بالمسؤولية وغيرة على مصلحتك.. فيتحدث إلى رفيقه في لهجة الواعظ الناصح :
• هيا يا راجل .. خلينا نبدأ الشغل وبعدين ربك يفرجها .. والله الراجل عنده حق الأسطى الأجنبي اللي فوق يضحك علينا .. لازم أنخليه يأخذ فكرة كويسة عنا ..
• باهي .. هيا .. أنت أرفع وأنا أنفرغ فوق .
• مرة هكي ومرة هكي .. راه جبد الحبل واعر .. وأنا أيديا طايبات !!
ويصعد أحدهما وهو يتفحص المبنى أولاً .. وكأنه قد كلف بمراجعة التصميم .. ثم يأخذ في الاستفسار عن كل كبيرة وصغيرة ابتداء من ثمن الأرض حتى أخر حجر وضعته .. ولا ينسى بأن يهبك بالمجان قليلاً من إرشاداته ، لأنه عمل في كل عمارات المدينة .. ويعرف الكثير عن المباني الجيدة .. ولا ينسى أيضاً بأن ينصحك بتغيير الأسطى فهؤلاء لا يصلحون ، أن الآخرين أحسن بكثير من غيرهم .. وهكذا .. كل ذلك وقلبك يكاد ينفجر من الفرح لهذه النصائح الطيبة ، وتتساءل مع نفسك ترى متى يتكرم هذا العامل بمباشرة شغله .. ويصعد الجرد ل الأول وقد امتلأ حتى نصفه ! وما أن يفرغه بالقرب من المكان المخصص ، حتى يدخل العامل في نقاش مع الأسطى ولأن الأسطى كان قد تعود على مثل هذه المناقشات والأسئلة.. فلم يأبه بما قيل له .. ولم يستسغ العامل هذا التجاهل فيعلن عن غضبه ويأخذ في الشتم ويتحول النقاش إلى شروع في معركة .. وهو يرغي ويزبد ويلعن الوقت الذي رمى به للعمل مع هؤلاء الجبناء .
واستمر هذا الجحيم مستعراً حتى رأيت الساعة قد أشارت الخامسة .. وعندما نظرت إلى عربة الرمل وعربة الحصى المفرغتين على الأرض وجدت أكثر من نصف كل منهما مازال باقياً كما هو بينما أحد العمال قد ذهب للاستراحة ، وقد أعد نفسه للذهاب ، والآخر صعد إليك ليعلمك بأن الساعة الآن الخامسة وعليك دفع أجورهم لينصرفوا فأولادهم في انتظارهم ، وأسرهم تريد المصرف اليومي .
• يا سيد الساعة الآن الخامسة وأنتم بدأتم العمل بعد الساعة الحادية عشر .. ثم اتفقنا على العمل حتى الساعة السادسة ..
• يا عرفي خدمنا أكثر من حقنا .. حتى الماكينة تخرب .
• ونحن اتفقنا للستة يعني للستة لا بد أن تعملوا ..
• يا خويا عليش ها لخصومة أخصم ثمن ها لساعة وأعطينا حقنا .
• لا أدفع لكما إلا إذا رفعتما حمولة السيارتين المتفق عليهما .
• أقريب .. كيف حالك بالله .. أنت فاكرنا هبل وألا كيف ؟
• لن أدفع لكما
ويرتفع بينكما الصراخ ويلوح في الأفق مشروع حفلة ملاكمة حادة قد تنتهي بالسجن والمستشفى بعد لحظات من بداية المباراة .. وعلى الأصوات الصادرة منكما يصعد العامل الآخر للاحتياط .. ثم يصعد بعض نفر من الشارع لمحاولة إنهاء الإشكال .. ويتساءل كل قادم .. وتحكي لهم ما وقع من البداية وتسهب في التفاصيل .. ولكنك تنسى في غمرة غضبك أن تحدثهم عن فترة الغداء ، وكيف أن احدهم طلب منك أن تعد لهم وجبة باللحم الوطني لأنه لم يتعود على أكل اللحم البلغاري ويتدخل أولاد الحلال من الشارع فتجد نفسك مضطراً لدفع أجورهم مدارة للمشاكل وما ينتج عنها .. فأنت لست في حاجة لمضيعة الوقت ! .
وأخيراً يذهب العاملان .. وبدأ كل واحد من الحاضرين يحكي لك قصة حدثت له مع أمثالهم .. وعندما سمعت تلك الحكايات شعرت لأول مرة منذ الصباح بأنك أسعد حالاً لأن ما وقع لك لا يعادل أقل نسبة لما حدث لجيرانك الذين سبقوك على تشغيل أمثال هؤلاء .. وأخذت تضرب كفاً بأخرى لضياع يومك دون جدوى .. قضيته في عراك وحرق أعصاب .. وقبل أن تنسى وجدت نفسك تقرر أخذ إجازة شهر ، أو تستقيل من عملك نهائياً حتى يمكنك أن تنجز عملية بناء جحيم مكون من ثلاث حجرات .



جريدة الحقيقة 30 أغسطس 1969 العدد 1192


الرصيف

بعد أن عبر الشارع دلف إلى داخل المحل الكبير وهو ينظر يميناً وشمالاً ليأمن الوجوه الكريهة التي تترصد هذا المكان وتتبع بعض زبائنه أحياناً
وقف وسط أكوام العلب المختلفة المرصوصة في نظام شيق ، وأخذ يسلط نظره متفحصاً المكان ، فأخذ وجهه ينعكس على الواجهة الزجاجية العامرة بشتى أنواع الصناعات الغذائية وأجودها ، وأغلاها ، ويأخذ في معاينة جميع الموجودات ، وبالذات ذلك الرف ذي الطبقات المعبأة باعتق أنواع ما عصرت المعاصر ، وعندما سقطت نظراته على الورقة المرقمة بالثمن أخذت يده المدسوسة في جيب المعطف تتحسس الورقة المطوية داخله وتتحسس ما مع الورقة من قطع معدنية .. وسرح مع الحركة العامرة داخل المتجر والعمال يلبون طلبات الزبائن وهم يوزعون ابتساماتهم في تودد مصطنع للسيدات اللائي كن يجمعن طلباتهن وسط سلال صغيرة ذات عجلات .
أثناء وقفته هذه دار في رأسه أكثر من حلم ، فهو أحياناً يتخيل نفسه وقد فتح متجراً صغيراً يضم العديد من المعلبات ، وجعل منه أحسن محال الحي كله ، فهو يعرف العديد من أنواع الصناعات بحكم عمله في تفريغ السفن ، ويعرف كيف يجذب الناس للشراء منه .
ولكنه كان يعود فيرفض فكرة إنشاء محل في حي شعبي ، فالناس هناك لا يعرفون استعمال البقول المحفوظة فهي لم تصنع لهم أنهم يفضلون الأكلات المصنوعة من الشعير ، ولذلك فحتى التعليمات لم تكتب بلغة الذين يقرءون منهم ، وانما كتبت بالإفرنجي.
وابتسم لهذه الخاطرة التي اكتشفها قبل أن يتورط في فتح المحل ، ويسرح مرة أخرى ماذا لو استطاع أن يفتح محلاً وسط هذه الشوارع الكبيرة ؟ سيكون المحل صغيراً في بداية المشروع ولكنه سيكبر بالتدريج إنه يعرف العديد من التجار الذين بدأوا بمثل هذه البدايات البسيطة ، وأصبحوا الآن يملكون أسواقاً بكاملها بما فيها من محلات وبضائع وبشر فأول الطريق خطوة ، فلقد سمع ذات مرة أحد الناس يقول :
إن رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة ، حسناً ، سيفكر في الموضوع جيداً ، وربما حاول أن يقنع قريبه بتسليفه مبلغاً لتكوين رأس مال يفتح به المحل ، سيكون صغيراً ، ولكنه سيكبر ، بل سيكون مثل هذا تماماً ، باستثناء بعض الممنوعات الموجودة الآن .. آه .. فلو كان هناك في طرابلس مثلاً لما فكر في مثل هذه المشكلة يكفي أن يجعل أحد الإيطاليين شريكاً له ليأخذ الرخصة باسمه ، ويطير به خياله حالاً إلى هناك إلى تلك الأيام التي قضاها بين البارات والمقاهي النشطة بحركة الرواد الدائبة ، لقد أحس أثناء وجوده هناك بشيء لم يألفه في السابق فلأول مرة يشعر بأنه لا رغبة له إلا في شرب الحليب ، فقط ، لقد أحس بأن رغبة العناد والتحدي قد فارقته ، وأنه لشيء صعب أن يعيش المرء كل ساعات يومه في تحد مستمر مع هؤلاء الذي يترصدون حركات الآخرين ، فماذا أذن لو طالب بالمزيد من حقوقه كإنسان يعيش حياة العصر ؟
ويسأل نفسه .. ما دخلي بذلك ؟ ألا يكفي أبن جارنا الذي ذهب ضحية مطالبه ؟ ليتهم فقط يتركونني أتصرف كما كنت أفعل هناك في طرابلس .
وكأنه تذكر بأن هذا ليس ما كان يفكر فيه في أول الأمر أنه يفكر في المشروع التجاري ، حتى يستطيع أن يجمع النقود ليتصرف من خلالها كما يريد فإن من يمتلك النقود يمتلك حرية التصرف أيضاً ، ولكنه أخذ يهز رأسه في اقتناع بأن المشروع صعب ، ولا يمكنه أن يفكر فيه بمثل هذه السهولة فلو كان لديه حقاً بعض المال لجلب بعض العمال وكون بهم شركة مقاولة ، أو على الأقل لاستخدمهم مقابل جزء من أرباحهم كما يفعل ابن عمه الموظف ثم أخذت أفكاره تتقلص حتى أنه تمنى فقط لو استطاع أن يجد عملاً في هذا المحل لينعم بدفء البضاعة ، ورائحة الجبن الإيطالي التي تملأ المكان ، وسوف يزداد مع الأيام خبرة في مجال العمل ويمكنه بعد ذلك أن يقوم بمشروع يكسب من خلاله الذهب الخالص ، وأخذ يردد بينه وبين نفسه يا الله لو استطعت الحصول على عمل هنا ، سوف لن أغادر المكان أبدا ، سأعمل حتى خفيراً لأوفر إيجار السكن، سأترك تلك العجوز الجر باء صاحبة الكوخ التي تستقبلني بالصراخ دائماً ، وأخذ يتساءل مع نفسه مرة أخرى ، بينما رفع يده دون أن يدري ، لماذا لا تتركني وشأني ، أنها لا تعرف شيئاً ، إنها لا تعرف أنني أدفع نصف أجري لرئيسنا في الشركة حتى أضمن استمرار اسمي في قائمة العمال ، أنها تصرخ في وجهي بأن العمل كثير ومتوفر وأن السفن في الميناء لا حصر لها كما يقول الراديو ، لكنها لا تعرف أن استقراري غير متوفر ، وأن المتعهد يهدد دائماً بأنه سيجلب عمالاً من الخارج إذا كنا غير راضين بما يدفع لنا من أجور ، ويطن في سمعه صوت المتعهد معربداً :
• من منكم لا يعجبه العمل ، فليخرج ، العمال كثيرون في البلدان الأخرى .
وقبل أن تتلاشى الكلمات التي كانت محفورة بكل حقد في ذاكرته ، أفاق على صوت عامل المحل يسأله :
• تفضل أية خدمة ..
• لا .. لا .. شكراً سأنتظر دوري .. الأول .. الأول .
فابتسم العامل وهو يدور متجهاً نحو المكان لينظم فيه بعض البضائع المختلطة ببعضها ومر الوقت وهو واقف بينما يده تضغط على قطع المعدن داخل جيبه وكانت الورقة قد امتصت من العرق ما جعلها " تنعلك " بين أصابعه ، وأخذ يفكر فيهم ،، في أصدقائه الذين اشتركوا معه في جمع النقود فغداً عطلة رسمية وهم يريدون شيئاً يسهرون به ، يقضون به السهرة لتكون ممتعة تليق بالمناسبة !على الأقل ، فهم لا يستفيدون من هذه المناسبات إلا بتلك العطلات التي لا حصر لها والتي تزخرف خلالها الشوارع بالمصابيح الملونة . وما أن أخذ عدد الزبائن يخف حتى اقترب من المنضدة حيث يقف صاحب المحل ، واقترب أكثر وهو يبتسم مشيراً بيده نحو الرف الذي يقع خلف الخواجة ، ملقياً تحيته باللغة التي يفهمها صاحب المحل الذي بدأ عليه شيء من عدم الراحة :
• كاليميرا ، أعطني واحدة يا خواجة ..
وبحركة لا شعورية اتجهت نظرات الخواجة نحو المكان الذي كان الزبون قد أشار نحوه ثم هز رأسه رافعاً يده :
• أسف حبيبي ممنوع ، فيه أوامر كده ..
ولم تفارقه الابتسامة وهو واقف يستمع إلى كلمات الخواجة التي كان يطلقها بسرعة وكأنه يريد التخلص من الزبون الواقف أمامه دون فتح مجال للنقاش ، ورغم ذلك كان ما زال يشير إلى الخواجة وكأنه لم يسمعه ، وهو يمد بالنقود :
• يا خواجة الشارع خال .
• لا أستطيع يا حبيبي ، كان بودي أن أعطيك طلبك ، لكن خلاص ممنوع ، خذ فلوسك .
ثم اتجهت نظرات الخواجة نحو أحد الواقفين ، وعندما التفت الزبون وجد أن بعض الزبائن في انتظار تحركه ليدفعوا ثمن مشترياتهم ، فأخذ في سحب نقوده من فوق زجاج المنضدة وهو يتراجع إلى الوراء ، وقف مستنداً على الحائط ، فربما اقتنع الخواجة ببيعه ما طلبه ، وربما كانت وقفته ليتمتع بأكبر قدر ممكن من الفرجة على هذه الأشكال الهندسية التي صففت بها البضائع ، بينما كان الخواجة يتعامل مع الزبون دق جرس الآلة السوداء النائمة على طرف المكتب فرفع الخواجة السماعة بإحدى يديه ، بينما أخذت اليد الأخرى تعمل في النقود ليرد باقي قيمة للزبون الواقف ، ولكنه سرعان ما ترك النقود ليرفع يده محيياً وكأنه يرى المخاطب وهو يرد عليه :
• أيوه ، أهلاً ، كيف الحال الله يسلمك ، طلباتك يا بيه حاضر ، المحل تحت أمرك يا سلام يا حاج محمد ، نحن في الخدمة يا بيه حاضر بأقصى ما يمكن يا بيه يا سلام سيارتك ، أمرك يا سيدي ،سواق حضرتك نعرفه كويس ، حاضر المحل تحت أمرك ،إن شاء الله يابيه ، يا سيدي كل سنة وأنت طيب ، فعلاً مناسبة تستحق الاحتفال ، إن شاء الله دائماً في الأفراح ، مع ألف سلامة يا حاج محمد بيه .
وعندما أعاد الخواجة السماعة صرخ في أحد عمال المحل ، كان يقف أمامه بسرعة البرق وكأن الأرض قد قذفته من جوفها :
• أحضر اثنين كرتون" امستيل " كبار وصندوق " وايت هورس" و كيلو جبنه ممتازة.
• حاضر ، يا خواجة ، هنا أو في سيارة المحل .
• لا ستحضر سيارة الحاج محمد .
• وقام الخواجة بحركة من يده كأنه علامة متفق عليه ، فأجابه العامل مبتسماً :
• أه عرفت ، سيارة البيه محمد .
وذهب العامل في سرعة مدهشة ، وعاد الخواجة من جديد يتعامل مع الزبائن، واتجه بنظراته إلى الأمام فسقطت على ذلك المستند على الحائط ثم عاد نحو الزبون الثاني وهو يستلم النقود ويعدها بسرعة .
كانت السيارات في تخاطف سريع بألوانها المتعددة ومنبهاتها تصدر عواء مستمرا. وبعد لحظات وقفت أمام المحل تماماً سيارة فاخرة ، أخذت تهتز من شدة الضغط على فراملها وهي تشع نوراً احمر منبعثاً من الخلف ، ونزل السائق منها متجهاً رأساً نحو الخواجة بعد أن فتح المخزن الخلفي ليستقبل الطلبية الموصى عليها .
• أوه .. أهلاً .. كل شيء تمام يا أفندم .
وفي هدوء كان عامل المحل قد أخذ في نقل الطلبية إلى صندوق السيارة ، ثم أقفله وعاد ،
وخرج السائق وهو يطوي الفاتورة ويضعها في جيبه وتحركت السيارة عبر الشارع الكبير في سرعة محدثة خلفها صوتاً هز زجاج المحل ، بينما أخذت الأتربة تتطاير في الفضاء من شدة دوران العجلات بسرعة ، وبخروج الزبون الواقف أخذ الخواجة يبتسم بسخرية ، والتقت عيناهما ، الخواجة يرتب الأوراق النقدية ، والأخر واقف ينظر إليه في سخرية ذات معنى أخر لأنه لم يكن غبياً ، كما تبادر إلى ذهن الخواجة لقد استقرت الإهانة في مكانها الأمر الذي أخذ معه الخواجة وكأنه قد بدأ يشعر بنوع من الخوف وعندما التقت نظراتهما التفت الخواجة نحو الرف وجذب منه الزجاجة التي كان يريدها الواقف وأخذ يلفها بورقة وهو يبتسم ، وعندما أراد أن يتحدث إليه كان قد خرج من المحل ، وأخذ يسير وسط الشارع المزين بالمصابيح الملونة التي تعكس أنوارها على الأرض المرصوفة بينما الأعلام تتوسط الشارع على امتداد البصر ، وكان يسير وهو يبصق على الأرض في غضب والناس من حوله في استغراب ، ولكنه لم يلتفت إليهم ولم يهتم لأنه كان يرى التفاهة في كل شيء حوله ، واستمر في سيره عبر الشارع الكبير وهو ينظر إلى الناس وإلى السيارات وأصحابه وكأنه يريد أن ينتزع عن وجوههم أقنعة لا يرونها يريد أن يسلخهم ورنين كلمة " بيه " تدق في أذنه وهو مستمر في حديثه مع نفسه ، إن الأمر كذلك ، حسناً ، أنهم يستخدمونني ولكنهم لا يعتبرونني إنساناً ، يطأون رغباتي بأقدامهم ، فأنا لست "بيها" ولا أريد أن أكون كذلك ، ولكنهم سيعرفون ماذا أكون .
توقف لحظة وكأنه أفاق من غيبوبته وأخذ ينظر إلى المارين ملياً وأطرافه ما زالت تهتز في عنف ووجهه ينم عن غضب مدمر ، ثم تحسست يده النقود المبلولة بالعرق وتذكر الجماعة المنتظرين عودته ، عليه أن يعيد إليهم نصيبهم ، وسوف يشعرهم بمعنى ذلك ، ولن يشترك معهم بعد اليوم في جلساتهم ، فهناك على الرصيف سيكون أحدهم .. سيكون أحد أولئك الذين رفضوا العمل مع المتعهد عندما أهانهم .





جريدة الحقيقة 27 سبتمبر 1969 العدد 1214





البـــواب
في نهاية الممر الطويل يقع في المواجهة تماماً باب خشبي . . كتب في أعلاه بخط كبير كلمة " ممنوع الزيارة " وفي السطر الثاني تحديد لمواعيد المراجعة في الأعمال والاستفسارات . . وقد جلس رجل كبير على يمين الممر وبيده مفتاح الباب . . كان يفتح للخارجين والداخلين ممن يشتغلون في المكان . . وعلى مقربة منه وقف مجموعة من المنتظرين ينتظرون السماح لهم بالدخول لمراجعة مواضيعهم المعلقة من أيام . . كان أحدهم يحاول شرح ظروفه لحارس الباب الذي كان يستقبل كلمات محدثه بإذن طرشاء وأخرى لا تريد السماع . . كان الحارس بحكم المدة التي مكثها في هذا المكان قد فهم كل الأعذار التي يتداولها المراجعون . . فهم عادة مشغولون . . ومستعجلون .. ولهم أولاد في المستشفى . . وزوجات في حالة خطر . . ولهم أقارب ماتوا . . ولديهم الإذن في عشر دقائق فقط من رؤسائهم . . كل هذه التبريرات وغيرها للسماح لهم بالدخول . . اقتنع بأن ثلاثة أرباعها مختلق . . ومن كثرة ما تعود الناس من نسـج الأعـذار أخذ كل واحد يتفنن في صنع الجديد المقبول . . الأمر الذي جعل القليل الصحيح منها يغرق في بحر الكثير المفتعل . .
والحارس لم تغادر ذهنه ولم ينس بعد رسالة الخصم التي جاءته من رئيس القسم عندما تعاطف مع أحد المراجعين ، حيث اتضح بأن الثاني جاء ليضرب موظف لأنه نسى إدراج اسمه في كشف المشتركين في مسابقة ما . . وهو لم ينس محاضر التحقيق التي تسلل إليها عبرها ، الاتهام بأنه ربما كان متعاوناً مع الجاني .. وحاول أن يبرر تصرفه بأنه قبل عذر الرجل المختلق . . ولكن من يسمع كلمات فراش ! . . ولهذا أخذ لا يرد على كلمات المراجعين واستفساراتهم . . كان يشير فقط بإصبعه نحو الكلمات المكتوبة بخط كبير . . " ممنوع الزيارة " المراجعة بعد الساعة الثانية عشرة والنصف . . ولم يكن يهتم بكلمات السخط وكان يكتفي بالإشارة بإصبعه إلى أعلى . . وكانوا يردون عليه . . نحن نعرف القراءة لسنا عمياً . . أي فوضى هذه . . أنت فراش أم سجان . . هذه مكاتب واللا معتقلات . . هذه سجون وليست دوائر لخدمة الناس أصحاب المصلحة . .
كان الحارس يعرف بأن إقناعهم لا ينفع . . فهم يرون دائماً بأنهم على صواب وأن مراجعة موظف لمدة ثلاثة دقائق لن تضيع وقته إذا ما توفرت رغبة العمل الحقيقية . . كان ذلك هو تفسيرهم . . وكان تفسيره بأن الثلاث دقائق لا يمكن أن تكفي لأي أحد من هذه المدينة لإلقاء كلمات الترحيب والاستفسار عن الأهل والأقارب وسهرة التلفاز . . وبعد ذلك الدخول في الموضوع .
ولكن حارس الباب كان دائماً عندما تهدأ الحركة يقوم بمحاسبة نفسه . . إنه يكره أن يمارس طيلة اليوم عملية الكذب هذه . . لأنه يقوم بممارسة عملية سجن بدون مبرر . . ولكن ماذا يفعل إذا كانت هذه ( أوامر ) . . إنه لا يريد أن يعرض ظهره لرسائل الخصم .. فليحترق الجميع . . كان يعرف بأن الموظفين الذين يقوم بحراستهم من الخارج يحتمون بالتعليمات الملصقة في الباب . . يقضون الصنف الأول من النهار في قراءة الجرائد . . ثم تناول السندوتشات . . ثم القيام بلعبة الحظ على من يدفع ثمن المشروبات . . ويتحلقون حول إحدى المناضد على رائحة القهوة يتناولن أحداث العالم بالتفسير . . ثم ينحدرون إلى مسرحية السهرة التي عرضت بعد منتصف الليل مظهرين براعة غريبة في النقد المسرحي . . ثم يتقلصون بالحديث حتى يصلوا تواريخ تعيينهم وتواريخ استحقاقهم للترقية وفجأة يهربون بالحديث حتى عن آخر ساعة وأخر نكتة عن فتيات المدينة .
كان المارد الذي يحرس الباب يعرف كل ذلك . . وأكثر . . وكان يحس بأنه يقوم بتمثيل الحامي لهذا المسخ . . وبأنه السد الواقف أمام مصالح المراجعين . . ولكن ماذا يفعل . . إنه لا يملك إصلاح أمور الناس . . ألم يقل له ذات يوم أحد جيرانه الطيبين عندما شعر بالتعب وسأل جاره المشورة . . لقد قال له الرجل بأن الناس في هذه المدينة تغيرت طباعها . .
ويحس الرجل بأن يده قد نزفت من العرق ما يكفي . . ولقد تعبت يده وهو يدير المفتاح للداخلين والخارجين من المشتغلين داخل " المعتقل " كما يسميه المترددون . . كان يحس بالخجل لأن ظروف عمله جعلته يعيش هذه التجربة . . ولكنه يعود لحكمة جاره فيجد فيها تفسيراً لكل ما يدور حوله .
كان الشاب القادم عبر الممر ممن يترددون باستمرار . . وإن كان يأتي بعد منتصف النهار عكس هذه المرة . وجاء الشاب مباشرة فأمسك بمقبض الباب يريد الدخول فأشار إليه البواب نحو اللافتة المعلقة . . نظر فيها الشاب ملياً . . بينما يده كانت ما تزال تلعب بمقبض الباب في محاولة لعتله . .
ـ يا رجل . . قلت لك اقرأ المواعيد .
ـ إيه . . منذ متى تحددون الزيارة بالمواعيد .
ـ لقد تغير الأمر . . كل شيء بالمواعيد .
ـ قلت لك افتح . . أحسن .
ـ لماذا . . المواعيد مكتوبة أمامك .
ـ أنا لم يقفل في وجهي باب مهما كان صحابه .
ـ وأنا لم أفتح الباب مهما كان القادم .
ـ سأتسبب في قطع عيشك .
ـ كان زمان .
ـ يا سيد حافظ على كلامك .
ـ يا سيدي أنا عندي أمر . . شوف اللافتة . .
ـ أريد أن أسال عن موضوع يخصني . . لست قادماً للنوم هنا . .
ـ ولو . . تعال في موعد المراجعة . . لا أحد يقف في طريقك . .
ـ لم تلده أمه الذي يريد أن يقف في طريقي . .
ـ يا بوزيد . . شوف اللافتة . .
ـ يا عبد . . افتح الباب . .
ـ مستحيل كيفك كيف الجماعة المنتظرة . . أهو مكتب الرئيس . .
ـ حسناً . . سأدخل غصباً عن سواد لونك . .
ـ أنا عبد الأوامر . . تفضل . .
واتجه الشاب نحو المكتب المحاذي للبواب . . ومرت لحظات . . سرت حركة بين الواقفين . . بعضهم يؤيد تصرف الشاب . . وبعضهم يعطف على كلمات الحارس . . أن الأوامر صدرت له هكذا . . فماذا في يده . . وأخذ الحديث يتشعب بينهم يأتون بالشرق والغرب .. يحللون الكلمات والأوامر . . يصنفون الصواب والخطأ . . وبينما هم كذلك . . صفق الشاب باب الرئيس خلفه . . كانت حركته هذه مصحوبة بنظرة شامتة تدل على انتصاره . . فقد تقدم نحو البواب ورمى في وجهه بالورقة التي تسمح له بالدخول . . وأخذت يد البواب المفتاح وعينه تخترق الشاب . . وتخترق الواقفين . . وبدأت همهمة مصحوبة بكلمات الغضب .
ـ ألم أقل لك لم يقف باب في وجهي . .
ـ أنا لست باب . .
ـ أعرف .. أنت باب من لحم . .
ودخل الشاب عندما انفتح الباب تماماً . . فيما أخذ البواب يتحسس ظهر الكرسي . . ثم ترك المكان ودخل رأساً إلى مكتب الرئيس وبشيء من الغضب غير المعتاد رفع صوته بتحدٍ واضح :
ـ أريد نقلي حالاً . .
ـ ممنوع . . ابق مكانك حتى لا يتسلل الواقفون . .
ـ لا أستطيع . . ولكن إذا رفضت نقلي اعتبرني مفصولاً . . حتى بدون كتابة استقالتي .
ـ وأنت كذلك . . المصلحة مملوءة بالبوابين .. ماذا تعتقد .
وخرج الرجل من الباب وقد صفقه بقوة وأخذ يسير وسط الممر الطويل متجهاً نحو الباب الخارجي . . فالميدان .. فالشارع العامر بالحركة . . أثناء ذلك كان الشاب يقف بالقرب من نافذة صديقه الموظف قاطعاً عليه لذة تصفح الجريدة اليومية وهو ما يزال يزهو بالفوز . .
ـ هات سيجارة . . أنتم مكاتب واللا معتقلات . . لقد طلع ديني من أجل هذه السيجارة . . وكدت اضرب السجان الواقف بالباب . . ولكني تذكرت بأنه لا يستحق أكثر من ورقة يبصمها رئيسكم وأرميها على مناخيره السوداء .
جريدة الحقيقة ، 25 يوليو 1970 العدد 1487
الإنـــــذار..

كان الرجل الواقف في وسط المكان ينفخ بعصبية في صفارته التي كانت تولول بشكل حاد يصم الآذان.. وهو يرفع يده نحو القادم الذي ما كادت عيناه تلمح الإشارة له بالإسراع حتى ضغط على درجة اندفاعه فارتفعت.. وما أن وصل التقاطع واتجه نحو المكان الآخر حتى علت خلفه صفارة الإنذار بصوتها الحاد المزعج.. ورأى الرجل في مرآته الخلفية من يشير إليه بالوقوف.. فتوقف.. فيما أخذت بقية الدواب تترنح بحمولتها في تعب ظاهر.. وبعد فترة تحرك الرجل الواقف في المفترق نحو المكان الذي يقف فيه الآخر..

ـ هل تعرف الغرض من وقوفي هنا؟
ـ نعـم..
ـ أنتم دائماً لا تحترمون النظام..
ـ من هم نحن؟
ـ أنتم.. شباب المدينة.
ـ لقد كنت تطلب مني الإسراع.. ففعلت..
ـ ولكني شعرت بأنك أبعد مما تخيلت.. فأوقفك..
ـ جئت بسرعة لا أستطيع التحكم فيها خلال أمتار محدودة..
ـ هكذا أنتم دائماً شباب هذه المدينة.. تبحثون دائماً عن تكية تتكئون عليها..
ـ يا سيدي.. لم أقصد..
ولم يستمع لبقية رده لقد أخذ يلف حول السيارة القابع بداخلها.. وهو يتفحص أجنابها.. ثم يطلق عزفاً نشاز حادا لأحدي العربات التي مازال حمارها يتبطأ في السير..
ـ هات أوراقك..
ـ تفضـل..
ـ كم مرة خالفت النظام؟
ـ لا أدري..
ـ تعني أنك ملاك !!00
ـ .............
ـ لقد تعبنا ونحن ننصحكم.. نلقنكم.. ومع ذلك كنا كمن يتبول في الرمل !!00
ـ ...........
ـ عندما نقول لكم تمهلوا تسرعون.. وعندما نطلب منكم السرعة تتمهلون.
ـ ...........
وكان أثناء تقليبه للأوراق التي بين يديه يلتفت نحو المفترق فيرى المكان وقد سادته زحمه عجيبة، ولكنه كان لا يكلف نفسه إعادة تنظيمه بالنفخ في صفارته ذات الصوت الحاد.. مواصلاً حديثه في شيء من الغضب..
ـ أنظر.. نسهو دقيقة.. تقلبوا العالي أسفل..
ـ ...........
ـ منتهى الاستهتار.. لقد غلبنا فيكم.. متى بالله ترتدعون؟
ثم يُخرج قلماً من جيب سترته الأعلى بينما الآلة التي تتولى تنبيه الناس تتدلى على صدره ويأخذ في تدوين كلمات وهو يتعمد رفع صوته..
ـ لم يحترم إشارتي.. وكان مندفعاً حتى كاد يقتلع الجدار.. ولولا عناية الله لتسبب في كارثة يتحدث عنها التاريخ.. كما أنه رفض التعاون معي والإجابة على أسئلتي.. أليس كذلك.؟
ـ ..........
ـ لماذا لا تتكلم.. الذي يكلمك إنسان؟
ـ العفو.. أنا أراك كذلك..
ـ حسناً.. لماذا لا تعطيني تبريراً لتصرفك هذا؟
ـ ما فائدة التبرير لحكم مسبق..
ـ تكلم بلغة واضحة.. ماذا تعني؟
ـ لم أستعمل لغة أجنبية على ما أعتقد..
ـ وأيضاً متغطرس.. شيء عجيب..
ـ هذا زمن العجائب.. إنه القرن العشرون.. ألم تسمع سخرية عجائز المدينة.. وهن
يقلن 00 هذا عصر الذرية00 ماتفعله في الصبح تجده في العشية00
ـ وتتهكم أيضاً.. أما قلة أدب صحيح..
ـ .....
ـ سترى ماذا أفعل بك..
ـ .....
ـ قلت لك سترى.. قسماً
ـ خالق الرأس قاطعه...
ـ ومستهزئ أيضاً..
ـ .....
ـ عليّ الطلاق.. سأجعلك تندم على ذلك طيلة عمرك..
ـ .....
ـ لقد سجلت كل البيانات.. وستجدها أمامك عندما تكون في حاجة إلى شهادة براءة
لتجديد أوراقك ...
ـ حسناً.. كل هذا لم يعد يهمني الآن.. بعد أن ضيعت وقتي.. سأقول لك غلطتي التي لم
تسجلها في محضرك بعــــد..
ـ غريبة.. وتريد أيضاً أن تريني غلطتك.. يعني هكذا.. دون حياء تريد أن تطعن في
كفاءتي.. أما زمن لم يعد يحترم فيه أحـــد..
ـ المهم.. غلطتي الحقيقية التي أستحق عليها العقاب فعلاً.. هي احترامي لصفارتك..
فتوقفت.. كان يجب أن أخترق طريقي دون النظرالي الخلف.. وأتركك خلفي..
وأخذ يتحرك من جديد إلى الأمام متلفتاً نحوه وهو يبتسم بهدوء بعد أن شعر بأنه قال شيئاً عما عنده.. وفيما بدأت المساحة تتسع بينهما وضع الآخر صفارته في فمه وأخذ ينذره بالتوقف.. وكان صوت الزعيق الحاد يزداد شدة.. ولكن الآخر زاد سرعته واختفى دون أن ينظر إليه.

جريدة الحقيقة 15/8/1970 العدد 1508
الصورة القديمة

كان أبرز شيء في الميدان الساعة الثابتة في البرج العالي.. وكانت متوقفة عن العمل منذ اليوم الثاني لتركيبها.. وبضع سيارات تجوب وسط الساحة.. يبحث أصحابها عن مواقف.. بينما جندي المرور يطغى بصفارته على أصوات المحركات وهو يلوح لأصحابها بمغادرة المكان.. وقد اختلطت أصوات الباعة العارضين لسلعهم تحت الأقواس بالأصوات الصادرة من مكبرات الصوت المغروسة على الشرفات ووسط الميدان...
كانت السماء تهتز مع ذبذبات الأصوات النحاسية المدوية بقوة هائلة تخترق الآذان فتحدث بها صفيراً مزعجاً.. كان النشيد المنبعث عبر المكبرات مشهوراً في تلك الأيام كان يتحدث عن
العهد الجديد الذي تنعم به البلاد... " لو جار عليك الزمن انده علي الأحرار"...

ورغم حرارة الجو فإن المقهى القابع تحت الأقواس كانت فيه نسمات صيفية رائقة.. تلعب بأجنحة القمصان الخفيفة للرواد.. بينما كانت بضع حمامات تتطاير من فوق مئذنة الجامع الذي يتصدر أعرض واجهة في الميدان ثم تحلق فوق أسطح العمارات.. وتعود.. كان المقهى غاصاً بالرواد وقد استحلى مجموعة كبيرة منهم الجلوس على الكراسي المطروحة خارج المبنى مستندين على الأعمدة الرخامية.. ووسط المقهى جلس عدد آخر من الزبائن.. وفي الزاوية القريبة من صندوق الزجاج حيث تظهر بشكل واضح علب السجائر.. جلس رجل أسمر أخفى فكه الأسفل بلحية قصيرة.. وقد دس عينيه خلف نظارة شمس تظهر له الأشياء بلون أخضر داكن.. كان يرفع رأسه في بعض الأحيان متطلعاً إلى أسقف المقهى ثم ينحدر بالتدريج عبر الجدران حتى الأرضية.. وكأنه يريد أن يتأكد من أنه لم يطرأ عليها أي جديد بعد مسحه له من وقت قصير.. وبجانبه على بعد خطوات تقريباً جلس ثلاثة شبان يرتدون قمصاناً ملونة خفيفة.. كانوا يحتسون مشروباً وهم يراقبون الحركة خارج المقهى.. وأحياناً كان ينهض أحدهم ويمشي حتى باب المقهى ويقف يتأمل مؤخرة فتاة مرت عبر صفوف الجالسين..
الصبي الذي يقوم بتوصيل طلبات الرواد يكاد يعرفهم جميعاً وحتى يعرف أنواع مشروباتهم ولأنه كذلك فلم يقترب من الرجل ذي اللحية لأنه عادة لا يطلب أي مشروب مباشرة.. ولكنه يختار لحظة معينة فيطلب بعدها قهوة بدون سكر.
الحركة باستمرار في تجديد.. مجموعة تغادر أماكنها وأخرى تحتل الكراسي الشاغرة.. والصبي يتحرك بسرعة وسط المنادين والمصفقين..
الرجل ذو اللحية يتحسس جيب سترته ثم يخرج منه ورقة مربعة الشكل.. من طريقة فرجته عليها يعرف المقابل له بأنها صورة. كان يتفحصها بإمعان.. ثم يرمي ببصره نحو الميدان ويبقى لحظات وهو يتأمل العمال المنهمكين وهم يتسلقون السلالم يلصقون مجموعة من الأعلام ولافتات كبيرة.. ثم يعود من جديد يتطلع إلى الصورة.. وعلى شفتيه ظل ابتسامة غير واضحة المعالم.. ثم يهز رأسه وكأنه يطرد فكرة لمعت فجأة وطغت على مخيلته..
وتقوى حركة هز رأسه بقوة وكأن الفكرة قد تجسمت شيئاً فوق رأسه يريد التخلص منه.. ويصك على أسنانه بغيظ وتشنج واضح ويشد عنقه من الخلف بقوة.. وتمضي لحظات على حالته ثم ينهض ويتجه رأساً نحو الرجل الذي يقوم بغلي القهوة وإعداد الطلبات.. ويهتف فيه..
• قهوة.. قهوة.. سادة
• حاضر اهدأ.. وستكون جاهزة.. لحظات.
ويمد الرجل ذو اللحية يده نحو الصنبور وبيده الأخرى كوب ويفتح المياه بقوة حتى يطفح الكوب فيما ينظر إليه الرجل الآخر..
• المياه ساخنة... سأعطيك مثلجة.
• لا.. أريدها هكذا.. لقد تعودت عليها.
• استرح وسأحضر لك القهوة..
• أريدها هنا على الإطار..
ويأخذ الرجل في إعداد مقادير القهوة بسرعة ويدلق عليها الماء من الغلاية ثم يدسها عدة مرات داخل رماد الوجاق.. وعندما تفور يسكبها في فنجان صغير..
• تفضل.. قهوة تركية سادة.. عال.. العال..
• تركية.. كل شيء مازال تركياً.. أليس كذلك؟
• أنا لا أفهم في ذلك.. أعرف أن أعد القهوة التركية فقط.. وإن كان صاحب المحل يسميها قهوة عربية.. ولكن الجميع يقولون قهوة تركية..
• صاحب المقهى ينسب القهوة وفقاً لنوعية الزبون.. زمان كان يقول قهوة طليانية.. أنا أعرفه جيداً.. لقد كانت هذه التسمية مبهجة في ذلك الوقت.. كل المدينة كانت فرحة لأنها تشرب القهوة على الطريقة الطليانية.
• من رأيي أن تجلس على كرسيك.. ستحس براحة أحسن.. مياه الصرف المنسابة سوف تلوث ثيابك.
• سأشرب قهوتي هناك. أنا أعرف بأن لديك عملاً.. سأشرب قهوتي هناك..
ويعود فيجلس على نفس كرسيه الذي تركه.. ويضع الفنجان.. ثم يتحسس جيب سترته ليخرج منه علبة السجائر.. وعندما وضع السيجارة في فمه أخذ يبحث عن الكبريت.. واستغرق بحثه لحظات.. وقد لفتت حركة بحثه نظر أقرب الجالسين إليه من الشباب الثلاثة.. فنهض نحوه وقد أخرج ولاعته.. ويدفن الرجل سيجارته ونصف وجهه بين يدي الشاب وتخرج على الفور سحابات متلاحقة من الدخان.. ثم يرفع الرجل يده شاكراً الشاب الذي عاد إلى مكانه.. ويرفع الفنجان ويرتشف منه.. وعندما أعاده كان قد أحس بشيء من الراحة.. وبدا من جديد يتفقد المكان يمسح الجدران بنظراته ولكن بشيء من الهدوء هذه المرة.. ثم أخرج الصورة.. وعاد يتفرج عليها من جديد.. ثم اقترب من الشباب الثلاثة وانحنى على الذي أشعل له السيجارة..
• انظر.. إنها قديمة.. أتعرف هذا المكان؟
• يبدو على المباني الظاهرة فيها أنها لنفس المكان..
• نعم.. إنه الميدان.. هذه الصورة عمرها كبير.. ثلاثون.. خمسة وثلاثون عاماً تقريباً.
أنتم لا تعرفون هذه المدينة.. لم يكن في الميدان ساعة في ذلك الوقت.. لقد كانت هناك مكبرات صوت فقط.. على كل واجهة.. تماماً كهذه.. وأشار بيده نحو مكبر صوت كان مربوطاً بأعلى باب المقهى.. كانت تنبه السكان "اتنتى.. اتنتى".
أنتم لا تعرفون معناها.. انتباه.. انتباه.. سيلقي الدوتشي خطبة عصماء.. "اتنتى" على كل السامعين الوقوف وسط الميدان للاستماع والتصفيق إظهاراً للفرحة.
كنتم صغاراً.. لا.. لم تولدوا بعد.. كان الميدان يغص بالجميع في انتظار خطبة الدوتشي الخالدة كان الكل يصفق ويهتف بحماس.. وكانت الأناشيد تعلو على كل صوت.. تماماً.. نفس الشيء.. نعم أنا أذكر ذلك جيداً.. كانوا يحفظوننا الخطب في المدرسة.. إذا لم تحفظها لن تنال إجازة النجاح.. كانت صعبة الفهم.. تمجد الصفوة... الاتحاد.. الرفش.. وكل شيء مقدس يظهر عبر أفكار ومسالك الدوتشي. أنا أذكر ذلك تماماً.. كان الميدان كل يوم يزدحم بشباب "القال" بزيهم الأسود..إنهم شباب" اللوتيوريو"يعني الفاشية العربية المحلية.. يهتفون بالخلود.. بالمجد.. بالنصر للصفوة.. وكان كل واحد في هذه المدينة يطير من الفرح عندما يرى ابنه يردد مع المنشدين.. كان كل واحد يشير لجاره.. انظر.. ذلك ابني.. كان الكل يتسابقون من أجل رضاء الصفوة.. ويهتفون بمن فيهم والدي.. "فيفا.. دود تشي".. كان تماماً.. كما ترون في الصورة! لقد أطعم سكان هذه المدينة الحرب بفلذات أكبادهم. كانت إيطاليا تقاوم بجيش ثلاثة أرباعه رحلوا من هنا.. من هذا الميدان.. لم يقدروا على قول كلمة.. لا.. أنا أعرف ذلك.. لقد رحل عدد كبير من هذا الميدان كالقطيع تماماً. كان كل عتادهم أناشيد المجد للصفوة المختبئة وسط الحصون.. ويوم جاء الدوتشي إلى هذا المكان سيجد الميدان تحت قدميه.. وارتدت جدران هذه المباني أحسن أردية حريم وجهاء المدينة.. كان ذلك إظهاراً للحب والإخلاص.. وفرشوا له الأرض بالورود والأكلمة والبسط العجمية.. وقد ركع مفتي المدينة تحت قدمي الدوتشي مقبلاً يده عندما أهداه أول وثيقة مواطنة.. أنا أذكر ذلك.. كنتم صغاراً.. لا.. لم تولدوا بعد.. كان الميدان في ذلك اليوم كما يبدو اليوم وإن كان بدون ساعة.. انظر إنه نفس المكان. نفس الوجوه لم تكبر.. لم تتغير.. نفس الأشخاص الذين رفعوا الرايات البيضاء على أسطح منازلهم قبل وصول الأسطول.. هتفوا بالترحيب قبل أن يروا وجه القادم.. أنا أذكر كل هذا.. تمعنوا في الصورة.. لقد ساوموني عليها.. لم أبعها.. إنها تذكرني بالوجوه التي تحويها.. تماماً.. هي نفس الوجوه التي تدير الحاكي.. وتكتب الأهازيج.. انظروا ألم تعرفوا أحداً في هذه الصورة.. أنا أعرفهم. أعرف كل القاطنين هنا..
وبدأ الشباب الثلاثة يشعرون بشيء من الخوف.. وبشيء من الدهشة.. فقد كان صوت الرجل يرتفع بالتدريج ويبدو مسموعاً لأولئك الذين يترصدون الآخرين.. وكانت الصورة تدور وسطهم يتبادلونها وكل منهم يهز رأسه. وأحياناً كان الرجل يقم ليأخذها من أحدهم مشيراً إلى الوجوه.. ورغم التشقق البادي على سطحها فإن الوجوه كانت واضحة..
وعندما عاد الرجل وجلس على كرسيه وأخذ يشرب بقية القهوة التي تركها.. أخرج سيجارة وأشعلها من بقايا التي مازالت بيده.
في هذا الأثناء انتهز الشباب الثلاثة فرصة انشغاله بإشعال السيجارة ووقفوا بتتابع وهم يلقون نظرة على الرجل ذي النظارة الخضراء. فيما أخذ أحدهم ينظر إلى الواجهات..
• نعم.. إنه نفس المكان.. لم يتغير.. فقط الساعة الصدئة التي وضعت لتزيين البرج العالي.. وتوقفت في اليوم الثاني.. لقد أكلها الصدأ.. وتكاد عقاربها تسقط
ولم يرد عليه أحد كانوا توسطوا الميدان وانشغلوا بالحركة فيه.. إذ كان مزدحماً بالعمال الذين يلصقون الأعلام واللافتات.. ونشيد العهد الجديد وقد أعيد للمرة التاسعة مازال يملأ الأجواء "لو جار عليك الزمن انده علي الأحرار". وجندي المرور يحث الواقفين على التحرك ومغادرة المكان بسياراتهم.. بينما سيارة النظافة كانت مقبلة من أول الشارع ترش الطريق بالمياه.. متجهة نحو ساحة الميدان لتغسله.

جريدة الحقيقة 22/8/1970 العدد 1514
النتيجــة
كانت حجرات المكاتب نظيفة ، وهذا شيء مخالف للعادة ، وكانت مضاءة أيضاً . . والمراوح تلعب في كل اتجاه ، ورائحة مبيد الحشرات المعطر تخترق الأنوف ، والفراشون في حالة انتباه تام ، والإدارة عموماً في وضع استعداد لم يسبق لها أن عايشته ، والموظفون يتساءلون عن كل هذا الاهتمام بزجاج النوافذ الذي يكاد الغبار المتراكم عليه يحجب الرؤية . . ونتيجة لذلك لم يترك أي موظف مقعده ، الكل نبت في مكانه ، وإن كان التساؤل قد ألح على أفكارهم . . لقد انتهى عصر الزيارات . . ولم تدم فترة الأسئلة التي كانت تدور في الأذهان ، فقد قطعها صوت رئيس القسم عندما طلب من أحد الموظفين الذهاب فوراً ليحلق ذقنه . .
ـ سوف تأتي لجنة لمتابعة الموظفين وتقييم وظائفهم .
ـ وما دخل هذا بذاك ؟
ـ المظهر . . المظهر اللائق يدل على حرص الموظف . .
ـ غريبة . . هي لجنة متابعة . . أم لجنة تفتيش على نظافة الأظافر ؟
وانتشر الخبر كما ينتشر نبأ أي وباء ، وبدأت مجموعة من الموظفين تظهر السجلات والملفات المدفونة في الأدراج وتكديسها على المناضد . . وأخذت الأوراق المدسوسة منذ فترة ترى النور من جديد . . بعضها فوق بعض وكأن العمل جار بها . . وقد امتلأت السلة المكتوب عليها " أعمال منجزة " . واختفت فناجين القهوة . . وأخذ كل واحد يفكر ويستعد لاستقبال الأسئلة ويعد الإجابة . . وإن كان شبح الخوف قد سيطر على بقية الاحتمـالات . . ربما وجدت اللجنة أن هذه الوظائف لا داعي لها . . وعليه فإن تسوية أوضاع شاغليها وتسريحهم سيكون هو القرار النهائي . . كانت الأيدي تمسك بالقلم لتخطط على الورق الأبيض أشكالاً وتعاريج توحي بالاضطراب الذي أخذ يعيشه كل واحد . . ولم تنجز أعمال ولكن الرسومات للتوترات الداخلية هي التي كانت تسود الورق الأبيض والذي كان يتحول رأساً نحو السلة فيملأ جوفها الخالي . .
الساعة قاربت العاشرة وكل شيء هادئ . . عدا الأعصاب . . الفراش جالس على كرسيه في طاعة عمياء للجرس الثابت في الحائط . . والزيارات بين المكاتب توقفت رغم حسن العلاقات . . وصبي المقهى لم يعد يتطاير بين الحجرات والممر كما كان . . ثم بدأت الحركة . . ووقف الفراش في استعداد . . لقد شاهد مجموعة من الناس الذين يبدو الاهتمام البالغ بمقدمهم . . وسرى الخبر .. اللجنة جاءت . . كانت مكونة من أربعة أشخاص باستثناء الكتبة . . احتلت مكتب الرئيس . . الذي كان يوزع ابتسامته بالمجان منذ أن سمع بالخبر . . ومر وقت زادت خلاله درجة الحرارة شيئاً من الارتفاع . . ثم شرعت اللجنة تستعد للقيام بعملها . . مجموعة من الاستمارات تحوي عدة استفسارات. . ثم عدة أسطر فراغ تدون بها الملاحظات التي تكون صالحة للتدوين .
نودي على الفراش الذي اتخذ فيما بعد دور الحاجب . . كان يصرخ بأعلى صوته باسم الموظف الذي يأتي دوره للمثول . . ودخل الموظف الأول . . ووقف في مواجهة اللجنة . . كان كالتلميذ تماماً . . يداه خلف ظهره . . ورأسه منكس ينظر إلى مقدمة حذائه .. وعيناه تتابع رسومات السجادة التي يقف عليها . . وشيء من العرق كان يلمع على جبهته . .
ـ أهلاً . . اسمك . . وعمرك . . وتاريخ خدمتك .. ومؤهلاتك .
وشرع في الإجابة . . في أول الأمر أحس بصوته يتقطع . . ثم شعر بعد فترة بقليل من الراحلة بعد أن أزاح حمل الإجابة عن كاهله .
ـ هذه اللجنة تريد أن ترى رأيك في الإدارة .
ـ إدارة . . إدارة . . حسنة . . ومديرها أحسن .
ـ ورئيسك ؟
ـ إنه أخ وصديق . . إنه أحسن ما في هذه المصلحة. . .
ـ حسناً . . ماذا يضايقك ؟
ـ تأخير الترقيات فقط . . إنه شيء يذهب راحة البال ويقلل من الرغبة في الإنتاج .
ـ شكراً . .
وعندما خرج صرخ الحاجب من جديد بالاسم الثاني ، الذي قفز من فوق مكتبه وقبل أن يطرق الباب حاول أن يستفسر من زميله السابق ولكنه لم يعرف بالضبط ماذا كان يقول له . .
ـ أهلاً . . هذه اللجنة تريد أن تأخذ رأيك في الإدارة . .
ـ الحقيقة أنها كأي إدارة أخرى مثقلة بالروتين . . وبكل شيء يثير الأعصاب .
ـ مثل ماذا ؟ .
ـ بصراحة . . كـل شيء .. مثلاً سجل الحضور .. طريقة المخاطبة . . التهديد بالخصم . . كل شيء .
ـ حسناً . . شكراً .
ونودي على الثالث . . وعندما دخل أخذ ينظر في وجوه الأعضاء .. وشاهد الاستمارات قد وضع على بعضها فناجين القهوة وأكواب المياه المثلجة . . وكان رئيس القسم . . يقف بالقرب من الحائط وهو يبتسم للقادم . .
ـ ما رأيك في الإدارة ؟ .
ـ في أي شيء . . أعني من أي ناحية ؟ .
ـ طريقة العمل المتبع بها . . معاملة المسئولين . . أي شيء تراه . .
ـ بيروقراطية جداً جداً . .
ـ ماذا . . كلمة أجنبية ؟
ـ تعني التعفن الإداري . . التعفن في كل شيء . .
ـ ماذا يضايقك . . رئيسك مثلاً ؟
ـ إنه موظف يجيد توجيه اللوم أكثر من دفة العمل .. وكذلك المكاتب إنها قديمة متداعية . . إنها أشبه بزنزانات . . واللون الغامق من الأزوقة . . والأدراج القديمة . . الموروثة من عهد الأتراك . . كل شيء يبعث على السأم . . ليس هناك شيء مبهج على الإطلاق .. حتى اللوائح التي تحدد لنا معالم طريق السير قديمة . . والمعاملات مصبوغة بعدم الثقة . . لا شيء مريح على الإطلاق . .
ـ حسناً . . شكراً . .
وعندما خرج . . أراد الرئيس أن يعطي اللجنة شيئاً من الإيضاح . .
ـ إنه فنان . . يقول بأنه يهوى الفن . . وهو دائماً يصبغ الأشياء باللون الفني . . يريد أثاثاً مريحاً . وأزوقة مبهجة . . ومكتباً واسعاً . . حتى يرتاح نفسياً ثم ينتج . . غريبة .
ـ يبدو كذلك . . إنه نوع طريف من الموظفين الجدد .
ثم جاء دور الرابع . . تقدم نحو المكتب الذي أخذ منه البيانات .
ـ أهلاً . . هذه اللجنة تعطيك الحرية في أن تقول رأيك بصراحة . . دون خوف . . هل لك رغبة في الانتقال ؟
ـ إلى أين ؟ .
ـ هنا بنفس المكان في قسم ثان .
ـ اعتقدت رغبة النقل لمكان آخر . .
ـ لا . . أجابه رئيس اللجنة .
ـ لا ليس لي رغبة .
ـ ما رأيك في أصدقائك الموظفين ؟
ـ كل منهم يعطي ما يستطيع . . بقدر العناية التي توليه إياها المصلحة .
ـ ورئيسك .. ما رأيك فيه ؟
ـ لا بأس . . يستطيع أن يقول كل شيء عدا الكلمة الطيبة .
ـ حسناً . . شكراً . .
ودخل الخامس . . ولم يلاحظ أي شيء باستثناء كتابة البيانات أما بقية الأوراق المطروحة فقد كانت خانة الملاحظات خالية من أي تدوين . . وبدأ يخامره إحساس بأن العملية تكاد تكون إيجاد عمل لأعضاء اللجنة أكثر من مضمونها . . أو هكذا خيل له . .
ـ أهلاً . . هذه اللجنة تعطيك الحرية في أن تقول رأيك بكل صراحة . .
ـ شيء جميل . . أرجو ذلك . .
ـ أولاً لا تعتبرنا من المسؤلين . . اعتبرنا أشخاصاً عاديين . . وقل لنا رأيك فيما تراه.
ـ الحقيقية يبدو أن العملية إحراج أكثر منها متابعة أو تقص . . فإذا قلت مثلاً أن الإدارة ممتازة . . فستقولون منافق . . وإذا قلت عكس ذلك قلتم حاقد . . لهذا أعتذر عن الإجابة . . هل من حقي ذلك ؟
ـ ورئيسك . . وطريقة العمل . .
ـ الأول يجيد كتابة رسائل الخصم والاستماع للأقاويل . . وإعطاء الدرجات الضعيفة .. أما طريقة العمل .. فهي طريقة هزيلة ومريضة موروثة عن عصر الأتراك . . كل شيء يأخذ تسلسلاً روتينياً وتعقيداً شكلياً بدون فائدة . . والمجاملات لها جذور في عمق النفط .
ـ أترغب في النقل إلى قسم آخر ؟
ـ جحيم بجحيم هنا أحسن . . على الأقل تعودت على لون الجدران الكئيب . . وأدمنت تهديدات الفصل . . وحفظت اللوائح البالية .
ـ لك ملاحظات أخرى ؟ .
ـ وهل كتبتم كل شيء مما قلت .
ـ هذا ليس مهماً .. نحن نعرف خلاصة الأقوال ونحفظها . .
ـ أعتقد لو وجهتم هذه الأسئلة في رسائل في شبه استفتاء وأعطيتم حرية الإجابة حسب رغبة كل موظف ربما كان ذلك أجدى . . أما الإحراج بهذا الشكل . . فأعتقد أن طريقتكم هذه خطأ كما يبدو لي . .
ـ حسناً . . شكراً . .
وخرجت اللجنة بعد أن جمعت بعض الأوراق المنشورة على المنضدة . . وكان رئيس القسم يتبعها وهو يربت على كتف أكبر الأعضاء سناً . .
ـ ألم أقل لكم من الأول . . أن أغلبهم مشاغب . . إنهم تعودوا الكسل . . والخصم والعقاب لم يعد يجدي معهم . . الفصل . . هو وحده أحسن علاج .. لقد تعبنا وكافحنا من أجل الوصول .. ثم يقف الواحد هنا ويقول أن الرئيس يجيد كتابة رسائل الخصم فقط . .
لقد نسوا زمن كفاحنا .. إيه . . إنه زمن العجائب . .
وأخذ يتتبع أفراد اللجنة حتى دخلوا القسم الثاني .
وعاد وفي عينه . . وعيد .
ولم يعرف أحد من الموظفين موجهاً لمن . . ولكنهم سرعان ما يعرفون .

الحقيقة 29 أغسطس 1970 العدد 1522







أول الطريق
هذه العلبة تأخذ منها ثلاثة أقراص بعد كل وجبة . . والموجود في الزجاجة تأخذ منه ملعقة مرتين واحدة في الصباح والأخرى عند النوم . . وهذه حقنة في العضل .
ـ شكراً .
كان المكان مزدحماً بالمترددين . . بعضهم في يده وصفة الأدوية ، وبعضهم جاء لأخذ أدوية باستشارة الصيدلي . . امرأة بدينة كانت متعبة لم تستطع الوقوف . . أخذت تدنوا من المنضدة ثم سحبت الكرسي وجلست عليه وقد أحدث الكرسي صوتاً كزعيق العصفور الكناري الأمر الذي جعل بعض الواقفين يلتفتون نحو الصوت ، ثم سرت همهمة بينهم وعلت بعض الضحكات وشعرت المرآة بالحرج . . ولكنها كانت متعبة . . كان الصيدلي يحاول قدر جهده التخلص من الزحمة حيث أن المكان صغير وقد رص بالأرفف . .
وبقرب المنضدة من الجهة المقابلة للمرآة وقف شاب كان يدخن غليوناً مما زاد في اختناق المكان برائحة بغية مقلقة . . وكان الشاب يتفحص الزبائن بعينين فيهما شيء من عدم الراحة . . وكلما قرب دوره تأخر عنه مفسحاً المكان لشخص آخر . . ودخل رجل كبير لم يكترث بالموجودين قبله . . فقد أخذ يحادث الصيدلي مباشرة . .
ـ أريد أي شيء يذهب عني الكحة . .
ـ هل تستعمل نوعاً معيناً من الأدوية ؟
ـ لم أذهب طيلة عمري لأي طبيب . . لقد عشت على لبن الإبل . . ولكنني منذ أن دخلت المدينة وأنا في حالة متعبة . .
ـ تفضل . . استعمل هذا ثلاث مرات في اليوم .
لم تقل الزحمة . . كان كلما خرج واحد دخل آخر وأراد الصيدلي أن يعطي الدور للشاب صاحب الغليون . . فقد كان وجوده غير مريح وخاصة أنه مصراً على التدخين طيلة بقائه . .
ـ تفضل .
ـ لا معلش . . الجماعة قبل .
ـ لقد تبرعت بدورك أكثر من مرة . . تفضل .
ـ والله . . يا دكتور . . الحقيقة . . أنني أريد نوع دواء لا أذكر اسمه بالضبط وجدته صدفة لدى صديق . .
ـ معك العلبة ؟
ـ لا ولكن أستطيع وصفه . . زجاجة صغيرة لونها أحمر والحبوب التي بداخلها صغيرة. . في حجم حبة العدس . . لونها أخضر . . وفي فتحة الزجاجة لفة قطن صغيرة . .
ـ كل هذه الأرفف تحمل نفس الصفات . . وماذا تشكوا ؟
ـ الحقيقة . . أنا لست مريضاً بشيء معين . . إنني متعب . . مرهق .
ـ أحسن تذهب لطبيب .
ـ الأمر لا يستحق الذهاب إلى الطبيب هذه الحبوب وجدتها عند صديق ولكنه مع الأسف لم يستطع احتمال البقاء هنا فسافر . . لقد أعطاني منها أقراص . . كانت شيئاً رائعاً.. لقد نمت براحة . . وكنت كل ليلة قبل النوم أكتب بحثاً طويلاً . . شيء رائع . . لقد كتبت بحوثاً عن مؤامرات الاستعمار في العالم .
أتعرف ماذا اكتشفت ؟ اكتشف شيئاً رائعاً . . لقد اكتشف أن سبب تأخر العالم هو الاستعمار . . إنه شيء فظيع . . فظيع بالمرة . .
ـ أعرف . . أعرف . . أجابه الصيدلي .
ـ وتعرف إن السبب هو عدم توعية الجماهير .. أعرف ولكن الاستعمار كان مسيطراً على أحاسيس الناس . . إنه استعمار ألم أقل لك . . كان اكتشافاً رائعاً قررت نشره في كتاب ليعرف العالم بأن هناك مفكرين يسهرون من أجل نتاج يخدم البشرية .
ـ لم أقصد توعية الجماهير . . أقصد أن تذهب لطبيب أحسن . .
ـ يا دكتور لو تتبعت معي وصف الزجاجة فأنا متأكد بأنك ستعرف الدواء الذي أقصده .
ـ أنت تريد دواءً لا تعرف حتى اسمه . .
ـ أستطيع أن أعطيك الوصف بدقة أكثر . . إنه يساعد على التركيز . . أتعرف بما ذا أحس عندما أتناول الحبة ؟ أحس براحة غريبة في كل أطراف جسدي التي تصبح في هدوء تام إلا تفكيري الذي يكون مركزاً في البحث الذي أعده . . كان بحثاً مهماً ، التفت نحو الواقفين وهو يزداد إعجاباً باكتشافه وفي صوته اعتزاز المفكر ، لقد اكتشفت مثلاً أن شركات البترول التي استطاعت أن تحصل على كميات كبيرة لم تأتي هكذا اعتباطاً . . كانت تعرف مسبقاً بأنه يوجد بترول وبغزارة . . لقد عثرت على وثيقة تقول أن الشركات التي حصلت على آبار ضخمة كانت لديها معلومات بأن إفريقيا تسبح فوق محيط من النفط .
ـ يا أستاذ هذه المعلومات ليست سراً إنها أشياء موجودة في كل المجلات المتخصصة..
هكذا قاطعه أحد الزبائن الذين بدءوا يفقدون السيطرة على قوة احتمالهم . . فالتفت صاحب الغليون نحوه ببطء . . وبدون اهتمام بأي شيء حوله أخذ يرص غليونه من جديد استعداداً لأن يدخل في نقاش مع الرجل ولكن الصيدلي تدخل لإنهاء الحوار . .
ـ يا أستاذ أرجوك أنت تستطيع وبدون الحبوب المخدرة أن تكتشف كل شيء في الدنيا ولكنك لا تستطيع أن تعرف كيف تقال كلمة لا حتى بدون نطقها فلا تحاول أن تخدعني.
ـ غريبة . . من لا يعرف كلمة لا إنها بديهية . . ولكن حقاً ماذا تعني فعلاً ؟
ـ يا أستاذ " لا " تعني " لا " إنها عكس كلمة نعم على طول .
ـ ماذا تقصد ؟
ـ قصدي أن تحاول أن تجرب هذه الكلمة مع نفسك . . قل لها لا ومنها ستتعلم كيف تقول لرغباتك وللأشياء الأخرى لا . .
ـ لم أستطع إنني مرهق تعبان . .
ـ وأنا لا يمكن أن أعطيك هذا الدواء المخدر . .
ـ حتى بإذن الطبيب ؟
ـ عليك أن تأتي بإذن الطبيب أولاً . .
ـ يعني عندما أتمارض لطبيب مقابل جنيه أستطيع أن أحصل على هذا الدواء . .
ـ لا أدري . . أما بالنسبة لي لا يمكن أن أعطيك مخدراً . .
وزعق الكرسي تحت المرآة البدينة وهي تقف متجهة نحو الشاب الذي أخذ يحشو غليونه بعصبية . .
ـ يا بني حرام عليك . . لقد أرهقتنا بما فيه الكفاية . .
ـ حسناً . . سأذهب إلى الطبيب . . وسأعرف كيف أقنعه . .
واتجه نحو الباب . . وتحرك الواقفون يفسحون الطريق لغليونه . . ومدت المرآة وصفتها للصيدلي الذي أخذ يطالعها . . ثم التفت نحو الواقفين وهو يعتذر لهم بابتسامة عن هذا الإرباك .
ـ متأسف . . إنه مسكين . . أول طريق الهروب خطوة . . ولكنه سوف يتعب . . سوف يتعب جداً . . والإدمان صعب . . صعب للغاية .
ومشى نحو الأرفف وعاد بعدة علب وأخذ يكتب عليها التعليمات . . وهو يخاطب المرآة .
ـ هذه العلبة يا سيدتي تأخذين منها ثلاث حبات بعد كل وجبة . . وهذه حبتين بعد كل وجبة . . هذه الزجاجة ثلاث ملاعق في اليوم . . والحقن في العضل . . مرة في اليوم .

الحقيقة 12 سبتمبر 1970 العدد 1536








وسقطت بيافرا ذات يوم

كانت الريح تعصف بكتلة الزنك التي تشكل صالة كبيرة تستعمل لاستقبال القادمين والمسافرين وكان التراب يتسلل عبر الثقوب وقد اخترقتها أيضاً أشعة الشمس فصارت وكأنها خيوط أضواء كشافة منطلقة وسط منطقة مراقبة.. وكانت البقع الشمسية تنام على الأرض المبلطة بالاسمنت فبدت كقطع معدنية متناثرة.. ومجموعة من الناس وقد وقف كل واحد بالقرب من الأشياء الخاصة به.. وكوم من الأكياس حجز مساحة كبيرة ومجموعة أخرى من الحقائب وضعت دون مراعاة للحد الأدنى من التنسيق.. عدة لغات تسمع اثناء اللغط00

وفي الخارج كانت أصوات محركات الطائرة تطغى على صوت الريح.. كانت ممرات المطار عموماً من النوع الذي لا يُرى إلا في المطارات المؤقتة المخدومة على عجل فالطرق غير مرصوفة بالشكل المعتاد.. وكانت بعض الإطارات المحروقة متناثرة على جانبي الممرات لتقوم بإرشاد القادمين ليلاً إذا ما كتبت لهن النجاة من المدافع المضادة.. كان كل واحد في صالة الزنك يريد أن تكون له أولوية السفر نتيجة ظروف الحرب التي تعيشها تلك المنطقة.. وكان كل واحد منهم يحاول قدر الإمكان التقيد بالتعليمات حتى لا يرتكب خطأ يكون سبباً في تعطليه فالأمتعة قليلة وواضحة وغير معقدة الترتيب ولم يفكر أحد من المسافرين في أخذ أكثر من حاجياته الضرورية ومنهم من ترك أشياءه التذكارية لمن بقى من الأصدقاء..

كان كل واحد يتقدم بأوراقه التي تجيز له السفر وكذلك إقرار بما تحتويه حقائبه.. ولكن الشيء الذي لم يكن يخطر ببال الشاب الواقف في الطابور والذي كانت قائمة الإقرار التي بيده لا تحوي شيئاً سوى مجموعة من الكتب التي أحضرها معه قبل نشوب الحرب، أنه قد ارتكب جرماً، فعندما قدم أوراقه سأله موظف الاستقبال:
ـ والإقرار أين؟
ـ هذا هو الإقرار.. لا شيء سوى كتب.
ـ ولو اقرأ الأسماء.
وأخذ الشاب يتلو الأسماء على الموظف الذي انشغل في ختم الأوراق الأخرى وتكديسها في درج وكان منظره يدل على عدم الاهتمام بصوت الواقف أمامه.. كان الشاب ينظر إليه بين كل اسم وآخر في انتظار رأي الموظف الذي لم يزد على هز رأسه بحركة آلية وهو مستمر في ختم الأوراق.. ثم فجأة انتبه:
ـ ماذا السلم؟
ـ نعم والسلم.
ـ ماذا تعني؟
ـ إنها رواية باسم الحرب والسلم.
ـ وما دخلك بالسلم؟
ـ لا دخل لي به.
ـ من طلب منك أن تتحدث عن السلم.. أنت جئت هنا على أنك خبير فقط.
ـ أعرف ذلك ولكني أحضرت معي مجموعة من الكتب لمطالعتها.. أهذا مخالف للقانون؟
ـ بكل تأكيد.. بل جريمة.. كيف تؤلف عنا الكتب ثم تخرج بها تحت أبصارنا؟
ـ يا سيد أنا لست مؤلفاً.
ـ أنتم هكذا أيها الخبراء الأنجاس تأتون باسم الخبرة أو السياحة ثم تأخذون في البحث
عن عيوبنا 00
ـ عيوبكم؟
ـ أجل.. أنتم دائماً في الأحياء الشعبية تلتقطون صور الأطفال وهو يلعقون أنوفهم..هذه
الصور أجدها في طيات ثيابكم كأنها أوراق عملة 00
ـ ولكنك ترى أنه ليس معي آلة تصوير.
ـ قد تكون رساماً.
ـ ولا رساماً.
ـ إذن تكتب ملاحظات في مفكرة خاصة.. أين هي؟
ـ وليست معي مفكرة.. لدي كتب فقط.
ـ ولماذا كتبت الحرب والسلم؟
ـ لم أكتبها أيضاً.
ـ أنت الذي قلت هذا.. أليس هذا إقرارك.. ألم توقع عليه؟
ـ نعم ولكني لم أقل بأنني ألفت كتباً.. قلت معي كتب.
ـ سنعرف كل شيء بعد قليل.
التفت الموظف نحو أحد الحراس وأشار إليه بيده.. فتقدم الحارس نحو الشاب ولكزه
بمؤخرة البندقيــــــة 00
ـ أمامي.. تحرك.
ـ إلى أين؟
ـ حجرة التوقيف.. تقدم.. أين أمتعتك؟
ـ هنا وسط هذه الحقائب.
ـ أخرجها.
ـ وحدي؟
ـ ومن تتوقع أن يساعد الخونة.
ـ تكلم بأدب من فضلك.
ـ ستعرف الأدب بعد قليل أيها الأجنبي القذر.
أخذ الشاب ينظر إلى جبل الأمتعة وهو يحاول التعرف على حقيبته.. ثم بدأ يزيح بعض الأكياس وعندما رأى الحقيبة جذبها بقوة حتى تخلخلت وأخرجها.. وتقدم بها للموظف الذي لم ينظر إليه.. بل خاطب الحارس رأسا بغلظة:
ـ قلت لك احمله لحجرة التوقيف.
ـ حاضر.
ولكز الحارس الشاب مرة أخرى بمؤخرة البندقية ثم ضرب الحقيبة بقدمه:
ـ أمامي أيها النجس.
وتحرك الشاب حاملاً حقيبته والحرس يتبعه.. ثم رفع الموظف سماعة الهاتف وأخذ يدير ذراعاً صغيراً.. لحظات.. ثم أجابه الطرف الآخر:
ـ ابعثوا إلينا بسيارة التحقيق حالاً.. لقد ضبطنا شاباً آخر
ـ ........
ـ نعم.. لا لم نجد لديه صوراً.. لم نقم بتفتيشه بعد.
ـ ........
ـ يبدو عليه كذلك.. حجزته في الحجرة.
ـ ........
ـ لا تقلق.. لن نرحم أحداً.
ـ ........
ـ حاضر.. بكل تأكيد إنه منهم بلا شك.. لا.. لا ليس من المهربين.. يبدو عليه منهم ربما هو مؤلف.. إنه يتحدث بلغة تختلف عن الآخرين.. مع السلامة..

كانت الحجرة أيضاً مبنية من الصفيح.. وكانت صغيرة بها منضدة متهالكة وكرسي واحد.. دلف الشاب إليها محملاً بحقيبته.. بعد أن أمره الحارس بالوقوف في الزاوية تماماً..
وأخذ ينتظر.. وبعد ربع الساعة تقريباً دخل المحقق وبرفقته حارسان بالسلاح.. ونظر إلى الشاب ثم إلى الحقيبة.. ورمى الغلاف الذي في يده على المنضدة.. ثم جلس وهو يتكلم:
ـ إنه شيء متعب.. هؤلاء الأجانب القذرون.. ما أن أسلم واحد لإدارة السجن حتي
أجدهم قد ضبطوا أخر 00 أية لعنة هذه ؟00
وأخذ يتصفح الأوراق المطوية داخل الغلاف.. ونظر إلى الشاب الواقف.. ثم خاطبه:
ـ ماذا حاولت أن تهرب؟
ـ لا شيء.. لا شيء على الإطلاق.
ـ سوف أرى.. قيل أنك لم تحمل صوراً للأطفال العراة
ـ نعم
ـ ولكنك كتبت كتاباً تقترح فيه السلم
ـ لم أكتب شيئا.. أنا لست مؤلفاً
ـ لقد اعترفت بذلك لموظف الاستقبال
ـ لم أعترف بشيء.. قلت إنني لا أحمل شيئاً إلا كتباً وقدمت له قائمة بذلك.. كان من
بينها كتاب اسمه الحرب والسلم 0
ـ متى ألفته؟ أنت تعرف أننا في حالة حرب.. وليس من حقك أن تكتب شيئا عن ذلك..
ـ يا سيدي أنا لم أكتب شيئاً.. لقد جئت للعمل كخبير ولم أستطع البقاء للظروف التي
تعيشها المنطقة وها أنا أريد أن اخرج 00
ـ بلا عودة.. ولكن بعد أن نقتص منك
ـ علام؟
ـ على تدخلك فيما لا يعنيك.. أخبرني أولاً كتبك اللعينة هذه من اطلع عليها من
المواطنين ؟00
ـ لا أحد.
ـ كيف؟
ـ لأنني لم أتعرف على أحد من المواطنين.. لقد جئت أخيراً.
ـ تترفع عن معرفة المواطنين أليس كذلك.. هذه هي الحقيقة.
ـ أنت تنسى أنكم تمنعونهم من ذلك خشية أن يتلوثوا بأفكارنا، في اعتقادكم، والغريب أيضاً أنكم في حاجة إلى خبراتنا.. أليس هذا شيئاً مضحكاً.. مضحكاً لدرجة الموت.
ـ اصمت. تكلم متى يطلب منك.. أنت في تحقيق..
ـ أنا لا أدري لماذا التحقيق أمن أجل كتاب فقط؟
ـ من أجل تأليفك الكتاب.
ـ للمرة المليون أقول أنا لست مؤلفاً.. هذا الكتاب جئت به مع مجموعة أخرى لقراءتها
وقت الفراغ00
ـ سوف نعرف عندما تصل السجن.
ـ السجن؟
ـ لا دار الضيافة المعدة للمشاغبين.. أعتقد أنها تسمية أخف وطأة.. أليس كذلك؟ ولكن قبل ذلك أريني مسودة الكتب.
ـ غريب.. إنه شيء غريب فعلاً.. قلت لك لم أكتب شيئاً.. إن ما معي رواية كاتبها مؤلف روسي شهير.
ـ وروسي أيضاً.. عليك اللعنة.. تريد أن تنشر أفكاراً هدامة في بلادنا أيها الأجنبي القذر.. هات الكتاب.
واقترب الشاب من حقيبته ثم فتحها وأخذ يخرج الكتب حتى وصل إلى الكتاب الذي أثار له كل تلك التهم وأثناء ذلك كان المحقق يقلب الكتب واحداً تلو الآخر..
ـ تفضل هذا هو الكتاب.. إنه عدة أجزاء..
وأخذ المحقق ينظر إلى الكتاب.. إنه عدة أجزاء فعلاً.. وكذلك مطبوع.. والصورة التي ظهرت في الخلف كانت لرجل كبير بلحية بيضاء.. بينما الواقف أمامه شاب.. وبدأ إحساس بالخيبة يتسلل نحو تلذذ المحقق بتعذيب المتهم..واخذ يحدث نفسه.. إنه فعلاً ليس من تأليفه على الأقل لا توجد في المنطقة آلات طابعة تظهر أعمالاً أنيقة بهذا الشكل.. إذن مــا
العمــــــــــل؟00
ـ حسناً.. يبدو فعلاً أنه ليس من تأليفك.. ولكن كيف دخلت به؟
ـ لقد جئت به مع هذه المجموعة وقد سمحتم لي بذلك.
ـ حسناً.. أين مذكراتك الشخصية؟
ـ لم أسجل مذكرات.
ـ إذاً سأكتفي بحجز كل ما لديك من كتب حتى تتفادى ذهابك لدار الضيافة.. أعتقد أنها
صفقة رابحة لصالحك !00
ـ لكنها كتبي ملكي.. كيف تحجزها بدون مبرر.. أنا خارج والأحسن لكم ما دام الأمر كذلك أن أخرج بها حتى لا تلوثكم بأفكارها الطيبة أليس كذلك؟
ـ لا سنبقيها هنا مع بقية الصور المحجوزة.. لقد ضبطنا العديد من أمثالك معهم أفلام كاملة عن قرانا.. أنا لا أدري لماذا لا يحلو لكم إلا تصوير الأطفال العراة والذباب يلعب حول عيونهم أنا لا أدري لماذا؟
ـ ولا أدري لماذا تحجز كتبي وأنا خارج بها.. لماذا؟
ـ كفى كلاماً.. إذا كانت لك أشياء أخرى اسحبها من الحقائب واخرج..
وعندما أجابه الشاب بأنه لا يريد أخذ شيء أمر المحقق الحراس بإخراجه لإنهاء إجراءات سفره..
وعبر الشاب الممر حيث استلم بقية أوراقه وهو يحس بأن جزءاً منه قد سلب عنوة ثم صعد سلم الطائرة فيما كانت الريح المحملة بالأتربة الحمراء تعصف.. وأرخى نفسه على المقعد.. ولم يهتم بأي شيء حوله.. وأخذت الطائرة تنزلق على المدرج.. مرت على لافتة وسط الخلاء استطاع أن يرى كلمة "مرحباً بكم في بلادنا".. وهو يمسح الغبار المختلط بالعرق من على وجهه بينما جاره ينبهه إلى ربط حزامه حول وسطه، وعندما ارتفعت الطائرة بالحد الذي يذهب الاضطراب ويعيد إلى النفس شيئاً من راحتها ويسمح للركاب بالحركة داخلها التقطت يده النشرة الإعلانية التي كانت المضيفة قد أخذت في توزيعها على الركاب عوضاً عن الجرائد.. وكانت الحروف الكبير البارزة في الإعلان تقول: "تمتعوا بقراءة روائع الفكر الإنساني".


جريدة الحقيقة 10/10/1970 العدد 1563





الحــلــــم
كان يسير وسط الشارع المليء بالمطبات ، لا يحس بشيء حوله سوى تعثره بين مرة وأخرى فيهز رأسه في استنكار دون أن يلتفت . . إنه متجه إلى المكان الذي تعود كل يوم أن يجلس فيه بعيداً عن الكل . . لقد هجر المقهى عندما كثر به تلاميذ جيمس بوند . . وهجر جلسات الأصدقاء لأنه لم يعد يحس بجديد فيها . . لقد اجتر وسطها من الكلام ما يكفي لمائة شاه .
كان يسير دون أن يهتم وحوار داخلي يمنعه عن رؤية الواجهات . . لقد قلت وأكثر من عشر مرات في الدقيقة بأنني آكل نعم وآكل وعليه فأنا ما زلت حياً . . أف . . يبدو أن الجنون سيمتطي مخك لا محالة . . ألم أقل لك خمس مرات في الثانية بأن البهائم أيضاً تأكل وتشرب وبأنها أسعد حالاً منك . .
أعرف . . أعرف ذلك ورغم حقيقته فإنني أمتاز عنها بسرير وثير أنام عليه ليزودني بحاجتي من الأحلام لا أنكر بأنها مزعجة ولكن عزائي في النظيف منها ، فهذا ما يجعلني أبداً أشعر بطعم الطيب ، وأنسى المزعج أف . . حسناً إنك لم تمل من استعمال كلمة أف هذه فهي لذيذة على كل حال لأنها سلاح العاجز أليس كذلك ؟ . .
أعرف هذا أيضاً .. ولأنك تعرف ستقول حكمتك الساخرة . . فمن يرى منكم مالا يعجبه فليستعمل أف . . أف إنها الأكثر حكمة .. وموال ممتع .. لا غرابة فأنت القائل بكوميدية غاية في الإتقان بأنك تمتلك سريراً مصنوعاً من المطاط المريح . . نعم أمتلك سريراً وثيراً . . ومن جهتي أستطيع أن أوجه نظرك إلى أن بعض الثيران المحظوظة في مدينتك تنام في حظائر أحسن تهوية من حجرتك وتفترش خرطاناً أغلى من القمح أليس هذا باعثاً على السأم عندما تجد أن الثيران أحسن حالاً منك . .
أعرف وربما في معرفتي هذه بعض العزاء . . ماذا تعني ؟ . أعني عندما أكون أعرف وأعرف بأنني أعرف أليس هذا ما تبحث عنه ؟ . . أنني لا أبحث ، أنت الذي تملأ رأسك بالبحث وعن أي شيء لا أدري ؟ أذكر فقط بأنني قلت لك بجدية صادقة أن الثيران أحسن حالاً منك فلم تعارض اكتفيت بقولك :
أعرف وأعرف بأنني أعرف والشيء الذي يجعلني أسخر منك هو أنك تعرف ماذا تريد تماماً وتدعي دائماً بأنك لا تعرف ماذا تريد . . اخرس أحسن ، لأن الحكمة تقول إن كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب ، وأنت تعرف ، وأنت تعرف بأنني مدرك لما أريد ولكن لا أحد يفهمني فما دخلك ؟ أتريد أن تتسبب في موتي بالغصة ؟. . أنا ؟ . . نعم أنت . . أيها الجاحد أتعتقد بأنني لا ابحث إلا عن الأشياء التي تكون سبباً في موتك بالغصة ؟ . . لأنك تريدني أن أقول ما في نفسي وعندما أقول ستلح علي في المطالبة وأنت تتلذذ بسخرية الجيران مني هذه السخرية التي تزيد ني غيظاً لماذا ؟ لأنني أحببت أليس هذا ما تريدني أن أقوله؟ أقول لهم دون خوف بأنني أحببت واحدة جميلة بيضاء كالشمس . .
نعم لماذا لا تقولها ، تقول لهم هذه الحقيقة ربما لا يسخرون منك فالمرء بدون الحب يعيش نصف إنسان . .
حسناً بالرغم من أنني لا أكترث بسخريتهم فستأخذ في الضغط علي حتى أصرخ بما أريد ولكنك عندما أتلقى اللكمات وركل الأحذية وتشنيعات العقلاء ستتخلى عني ببساطة مدعياً بأنه ليس من الحكمة أن أتكلم في وقت الصمت فيه من ذهب وستعترف بخجل العذارى بأن استعمال كلمة أف هي الأكثر حكمة حقاً نظراً لارتفاع المهور بل ستلفت نظري إلى أن الصبر أجدى وأنت تعرف أن الصبر هو الذي حرق الدكان ، إنك لا تحب استعمال الأمثلة ولكني أجد فيها بعض المتعة لأنها الأكثر تعبيراً في بعض الحالات من أقوالك الجوفاء .
توقف عند مفترق الطرق وأخذ ينظر إلى شارة المرور المطفأة لانقطاع النور فيما كان الشرطي يتوسط المكان مشيراً لهذا بالتوقف وللآخر بالتحرك . . وأنحني نحو الكشك القابع على الرصيف .
نزع عن العلبة الورقة الشفافة وأشعل السيجارة ومد يده ليأخذ بقية المبلغ ونظر إلى ساعته وسار متعمداً أن يضع قدميه تماماً داخل مربعات الرصيف .. يتسلى . . واتجه يميناً في شارع فرعي فأحس كأن الجدران ستهوي على رأسه عندما رفعه إلى أعلى شعر بالدوار . .
انتهى من الشارع المتفرع دلف إلى آخر حيث سينطلق إلى مكانه الذي تعود أن يركن إليه بعض الوقت بعيداً عن الشوارع الضيقة . .
وجد نفسه يسير خلف مجموعة من الفتيات ، لم يأبه بهن في أ ول الأمر ولكنه بعد لحظة تذكر بأن هذا أيضاً لا يمكن أن يكون بالشيء العادي . . لم ينصت إلى حديثهن فهو يعرف ماذا يشغل الفتيات عادةً . . ما شغل فكره بأن هذا المنظر لا يمكن أن يكون بالشيء العادي فأخذ يجيل بصره بحثاً عبر الشارع وكما توقع رأى شرطي الآداب أنه بشاربه الصغير المتقن يتتبعنهن مستبدلاً نظارته . . لقد احترف متابعة الفتيات . . حتى البنات . . واستحث خطاه تاركاً الشارع ومن فيه .
إنه حلم . . أحلم فالحلم مازال بالمجان . . لأنه لم يوضع تحت طائلة التسعيرة ولكن عليك أن تتذكر بأن أحلامك يجب أن تكون في صدرك وليست للتداول . أعرف هذا أيضاً ألك تعليمات أخرى ؟ . . لا . . أردت أن أنصحك حتى لا تفقد أعصابك ، قصدي قبل أن تخسرها . . أعصابي ؟
أتعتقد بأنه ما زال عندي منها ما يكفي ؟ . . ليست قضيتي أن يكون لك منها بقية أم تلفت تلك مشكلتك أنت . . حسناً إذن دعني أحلم . . أحلم بكل شيء حتى بالنصر الكبير أعني الفوز ولكن إياك والتفسير . . سأفعل لقد اشتريت سريراً وثيراً من أجل الأحلام ومع ذلك وجدته محشواً بالغيلان والصراصير .
لا أنكر بأنه في بعض الحالات النادرة أختلس حلماً زاهياً مع فتاتي البيضاء كالشمس ، إنها تبهرك بحسن جمالها أتعترف بهذا أم شجاعتك لا تسمح لك بالاعتراف ؟ . . في بعض الحالات نعم . . حسناً إنه على كل حال انتصار أسجله عليك . . سجل فقائمة الديون طويلة ولن تتأثر برقم أو عشرة ، المهم عندي أن تنطق لانتصر عليك .. ذات يوم سأفعل وسأنتصر وسترد كل ديوني .. بالعكس يوم تنطق سيقولون عنك مجنوناً وسيكون نصيب رأسك الحجارة وسيلهو بك الأطفال في فترة الاستراحة . . أواثق أنت ؟ أيرضيك هذا ؟ ألا تشعر بأنك السبب ؟ . إنك أرهقتني ويكاد البله يركبني . . شكراً .. لا شكر لأننا متعادلان . .
على العموم سأفوز عليك ذات يوم فطالما مازلت حياً سأخنقك لا محالة . .
غريبة أنت قلت في الأول بأن الجو هو الذي مازال يشعرك بأنك حي . . ستعود إلى الثيران من جديد . . نعم الثيران الأسعد حالاً منك أن توفر الأكل والنوم على السرير لا تعني بالضرورة أنك إنسان كامل تعطي وتأخذ . . أعرف أنها أشياء متوفرة حتى للحيوانات . . تعني الأكل والشرب والنوم . . نعم . . إنك تعترف .. لقد تعودت دائماً أن أعترف بالحقيقة . . ولكن . . ولكن ماذا ؟ الحقيقة خالدة كالشمس . . .
نعم فدفئها يتسرب نحو الأجساد المقرورة . . أتعرف حكاية الرجل الذي أعدم لأنه قال بأن الأرض تدور . .
أعرفها جيداً وقد قالها أيضاً وهو يحتضر .. قال أن الأرض تدور . تماماً كما تقولها الآن . . ولم تتوقف .. ولن تتوقف . . إنها تدور أبداً والشمس ستزود العرايا بالدفء حتى وإن ألبوسها درعاً من النحاس والجليد سيذوب حتماً والسحابة ستمطر . .
و. . وماذا أيضاً .. إنك تقاطعني . . أتعترف بهذا ؟ . .
نعم اعترف واعترف بكل ما قلت .. حسناً إنه الفوز الذي أبحث عنه . سجل فقائمة الديون لن تتأثر برقم أو بعشرة . . حسناً فطالما أثقلتك بالديون دعني أحلم . . أحلم فكما قلت لك . الحلم ما زال بالمجان فاحلم بكل شيء حتى بالنصر . . النصر .. نعم لك أن تحلم به ولكن إياك والتفسير لأن من الأحلام ما لم يفسر لأنه مجرد حلم لا تنس أنه مجرد حلم وستجد أن هذا هو الشيء الوحيد الحقيقي الذي أبقته لك الأيام . .
واقترب من المكان فجلس على حافة الجدار ورجلاه تتدليان تلامساهما الأمواج وطائر أبيض جميل يرتفع ثم يهوي بسرعة البرق ويرتفع مرة أخرى متحدياً الريح . . وأشعل سيجارته وشرع يفكر في كل شيء جميل .

الحقيقة 6 مارس 1971 العدد1704

الـــدور ...
كانت المضغة تحت لسانه تحرقه.. ويسري خدرها اللذيذ فتمتد أمامه خيوط من اللعاب الأصفر اللون.. كل ما بقي له