قصة قصيرة
استبدال ..


مثل النار في الهشيم كما يقول المثل انتشر الخبر بين الجارات.. ولا شيء ينتشر بسرعة مذهلة .. كما ينتشر خبر السؤ أو الفضائح.. في زمن انتشار النكت أو القفشات الساخرة .. بعد انفتاح الكثير
علي المخدرات للهروب من ضغط المعيشة التـي أصبحت محدودة وضيقة .. انتشرقول ساخر
عن واحدة مطلقة.. طبعا مثل هذا الخبر تهتم به النساء أولا وعندما يستفسر الزوج عن المشكلــة فهو يتوقع فضيحة ما ..
ـ إنشاء الله خير .. ما السبب ؟..
تجيبه الزوجة وقد زمت شفتيها خوفا من النتيجة أو ملاحظة عيب كان مخفيا :
ـ قالوا !.. قال عنها .. إن فمها كبير !! واســع !.. مش حرام بعد عشرة طويلة يطلقها ؟!..
المهم أن شارعنا كانت تسوده طمأنينة ظاهرة للكل ، فالحياة فيه تسير ببطء و الجميع مرتاح لا شيء يمكن ملاحظته سوي أن بعض الجارات لا يطقن الحاجة مبروكة لأنها لا حديث لها إلا عن
أولادها وبناتها وتفوقهم غير العادي في دراستهم و بالطبع فالفضل يرجع لها لأنها حريصة دائما
علي متابعتهم منذ سنوات " الروضة" إلي الجامعة وإعجاب زوجها بها أيما إعجاب.. أما عـــن
أقاربها وصديقاتها فالحديث يطول فهي قدوة لهم جميعا .. بالطبع كان مثل هذا الحديث يقلق الجارات
ويعتبرنه تفاخر وتباهي لان بعضهن شبه أميات بالرغم من أن لهن أولاد وبنات في جميع مراحـــــل
الدراسة بما فيها الجامعية.. ولهن أولاد وبنات في جميع المهن كالطب والهندسة والمحاماة وغيره..
فأطلقن عليها لقب الثرثارة .. فإذا ما أرادت إحداهن المجيء لزيارة جارتها تتأكدا قبل أن تذهب بان
الثرثارة غير موجودة .. لان الجلسة ستكون ممتعة بدونها .. وسيجدن فرصة للحوار وتبادل الأخبار.
فجأة ذات يوم مشهود في الشارع انتشر خبر غير عادي استغربه بعض الرجال وفرحت له الكثــــير
من نساء الشارع وانتشر بسرعة لا تكاد تصدق بان الحاجة مبروكة طلقها زوجها بالثلاث لماذا ؟:
ـ قالوا بأنه مل حديثها عن تفوقها وتفوق أولادها .. ولكي يغيضها تزوج عليها واحدة خرساء !!
وعلقت احدي الشامتات بنكاية واضحة علي الخبر والاختيار بقولها:
ـ عمل طيب .. لقد أكلت كبده بتفوقها.. واختار واحدة سيرتاح معها طيلة عمره !!...


رجب الشــــــــــلطامي


بنغازي في 13/4/2008 


 قصة قصيرة :
العكنســـــــي *

رجع الزول إلي قريته بعد غربة طويلة في بلد، واق ألواق، قبل اختراع جوازات السفر وبطاقات الهوية ، حيث كانت تلكم البلاد ، مفتوحة علي جميع الجهات وكأنها وكالة بلا بواب ، أو بمعني أخر هي اقـرب لان تكون قطيع يسرح دون راعي .. لأن الراعي كان مراهقا مشغولا بمزماره وتعديل نغماتــــــه لتستمتع ذكور الماعز.. وتهفوا إليــــه قلوب العذارى في القرى المحيطة .. ولان فتيات تلك القرى كن يعرفن بأنه غير ســوي فلا شقراء القرية راضية به ولا السمراء أحبته رغم كرمه وبذخ عطاياه وهداياه الغالية الأثمان بفضل ثروته التي وجدهــا ذات ليلة وأهل النجع نيام ، كما تقول الأسطورة،التي شرحها لنا معلم اللغة العربية في سنوات الدراسة الابتدائية، عندما كان المعلم صاحب رسالة، يأكل من عرق إخلاصه وحبه للوطن ،لا الدروس الخصوصية.. إلا من رحم ربي .. المهم عندما رجع الزول سالماً غانماً محملاً بالخيرات بما لم يكن يخطر علي بال احد حتى في الأحلام .. تحول المذكور بحكم ثروته إلي علم من أعلام القرية وشيخا من شيوخها .. وبالتأكيد..
فمن يملك الثروة يملك القوة ومن يملك القوة يكون صاحب الأمر والنهي.. وذات ليلة صيفية مقمرة عندما كان الزول يتحدث إلي مجموعة من سامعيه عن ذكرياته ومعاناته في تكوين هذه الخيرات التي يتمتع بها .. سأله احدهم عن اغرب أشياء غربته الطويلة في واق ألواق؟.. فابتسم .. وبدء يتحدث بلهجة عجماء مثيرة للضحك قائلا:
ـ الحقيقة أن كل ما في بلاد واق ألواق ..غريب !
ـ مثلا .. تسأل احدهم ؟
ـ هم .. يسمون الأشياء بغير أسماءها حتى انك لا تعرف المقصود إلا بعد أن يتبرع احدهم ويشرح لك المعني ..أي .. وعند جهينـــة الخبر اليقين.. فهم يحبون لغة الأضداد.. والمعني في بطن الشاعر .. فيقولون :
ـ عن سخان الشاي .. براد !! .. والبراد عند نا ثلاجـــة .
ـ عن الفحـــم .. بياض !! .. والفحم في كل العالم .. فحم ..
ـ عن الاعمي .. بصير!!
ـ عن المكسور.. مجبور!!
ـ عن الأسود.. أســـعد !! فالخروف الأسود يلقبونه بالأسعد ..
ـ عن النــــار.. عافيــة !!
ـ عن العاهرات .. بنات باب الله.. أو.. الكويسات !! أي الكيسات ..
ـ عن الجمال.. خــراب !! فإذا أعجبتهم فتاة جميلة يقولون عنها " خاربة"!!
ـ وإذا كان احدهم لا يريد أن يفي بوعده يقول لك" إن شاء الله" !!
ـ عن النصاب..شاطر..!! صاحب دماغ مفتح ؟..
ـ عن السارق والمرتشـي !!.أمين !!
ـ عن المسئولين .. أمنــــــاء !! ..
ـ عن ..... لا....لا... ما.. معقول... لا احد .. يصدق !!مستخدما شارة.. ذات دلالة قبيحة، لأنه استدرك فجأة ، قد يكون احد المستمعين ممن لا يؤتمن، مستندا علي نصيحة.. لا تقل كل ما تعرف ..
فغرق المحيطون به في الضحك حتى طفحت أعينهم بالدمع وانقلبوا علي اقفيتهم واخذ كل واحد منهم يضرب كفيه غير مصدق .. وبعد أن هدؤوا قال لهم شيخهم ألم اقل لكم ويأتيك بالإخبار من لم تزود.. وبأنه من واق ألواق يأتي القديم !!

رجب الشلطامــي
بنغازي في 2/3/2008
* العكنسي .. نوع من الشعر الشعبي ..




رشاد ألهوني :
انه الباقي .. ما دامت الصحف ..

تعرفت علي الأستاذ رشاد ألهوني ، رحمه الله، عندما كان يقوم بزيارات الوفاء والمودة للأستاذ محمد حمي ، فقد كان رشاد كما عرفت فيما بعد مسجلا لكليـة الاقتصاد ، وكان الأستاذ حمي ـ صديقي وعديلي ـ احد مؤسسي الجامعة الليبيـة ومسجلها العام ، فقد جمعت بينهما عشرة العمل وحب الوطن وهموم الثقافة، وكنت أجد متعة شخصية في محاورة الأستاذ رشاد ألهوني لأنني كنت هاويا للأدب واعشق كتابة القصة ، ولم يبخل علي رشاد بتوجيهاته وإرشاداته ونصحي بالاطلاع علي عدة مصادر ذات العلاقة للاستفادة منها خصوصا بعد أن علم بأني لا احمل أي مـؤهل دراسي ، وأنا لا أتحرج من هذا ، وان كل رصيدي هو عشق الثقافة والقراءة .
ومرت الأيام فإذا بالأستاذ رشاد قد أسس وشقيقه الأكبر الأستاذ محمد ألهوني جريدة الحقيقة عام 1964 .
وكانت جريدة في بداية الأمر أسبوعية ثم تحولت إلي يومية ، بفضل الجهود والمثابرة، وكانت تتطور مع الأيام وتزداد اتساعا وروعة وإقبال وتطلع إلي مستقبل صحفي من أجل تأسيس مدرسة تكون نواة للصحافة الليبيــــــة .
والشيء بالشيء بذكر كما يقال فقد كنت احدث أحفادي وبعض أبناء أصدقائي من جيل السنوات العجاف ـ التي مرت ـ عندما كنا نقف في طوابير من أجل ربطة معدنوس أو كيلو طماطم يرمي إلينا دون ادني احترام في سوق الخضار ، أو فـي طوابير التعاونيات من أجل علبة حليب أو سردينه صدئه . كنت أقول لهم بأن أول طوابير محترمة عرفها سكان هذه المدينة كانت من أجل شراء العدد الثقافـي الأسبوعي لجريدة الحقيقة ، فكان القراء يقفون أمام مكتبة الوحدة العربية للأستاذ الشعالي الخراز بشارع عمرو بن العاص منذ السادسة صباحا لاقتناء جريدة الحقيقة، وقيل في وقتها أن القراء في مدينة طرابلس كانوا ينتظرونها في المطار للحصـول عليها .
اذكر باني عندما عرضت بعض أعمالي القصصية أو محاولاتي بالأصح علي الأستاذ رشاد ألهوني رحب بها واخذ في متابعتي وتطويري بالنصائح التي تتلاءم وفنيات النشر .. مشجعا لي ولغيري الكثير من الأدباء ممن يتباهون اليوم ويفخرون بأنهم رواد الأدب والمعرفة في هذه البلاد ..
وفي هذه الذكري الطيبة اسمح لنفسيـ بحكم الصداقة والعشرة ـ بان اقتبس بعضا مما جاء في كتاب الزميل الوفي الأستاذ سالم ألكبتي جزءا من كتابه الرائع " زيت القناديل" وهو لمسة وفاء واحترام لرجل يستحق كل الوفاء لأنه سيظل الجسر الحقيقي الذي عبرته الصحافة الليبية ألحديثه رغم ما عاناه المرحوم رشاد من بعض الحروب الجانبية والعراقيل كعادة البعض ممن لا يطيقون النجاح والذين لا تخلو البلاد منهم علي مر العصور :
"( ويظل يحسب لرشاد عشقه لهذا العمل والخروج به إلي النهار والضؤ ، وتكوين العلاقات الواسعة ، وفوق ذلك كله اكتشاف عديد المواهب وتشجيعها، ورعايتها وتصويب أخطائها وفتح الأبواب أمامها في (الحقيقة)، والتطلع بلا انقطاع إلي تكوين صحافة ليبية راقية وخلق تواصل مع المتلقي وتعويده يوميا علي القراءة وجعلها (عادة) لديه، ونسج علاقة مع المسؤول وتدريبه علي قبـول (النقد) و (الاختلاف) وكشف الأخطاء والسلبيات ، والفرح بكل ما هو رائع وجميل من اجل الوطن والإنسان .
ويظل أيضا يحسب لرشاد ، أن الحقيقة، التي توسع انتشارها .. أضحت مدرسة ، مدرسة حقيقية ضمت مزيدا من الكتاب الوطنيين ولها سماتها ودلالاتها في تاريــخ الصحافة الليبية بدورها الحيوي والخصب ، وستكشف الأيام ، عن هذا الدور، بالبحوث والدراسة، وهو دور لا يغفل أسهم إسهاما مؤثرا باهتمامه: بالواقع الليبي والمواطن الليبي، والقارئ الليبي، والخبر الليبي، وأكد، هذا الدور، إن الخبــــرة المهنية والإرادة الليبية لا تتأخر ولا تشعر بالخجل أثناء مقارنتها بمثيلاتها في الخارج.
ويظل يحسب لرشاد انحيازه للكلمة الصادقة واحترامه لشرف المهنة والتزامه به، ومخاطبته العقل وتنويره وانه كان يقوم بذلك علي مدي أيام وليال طوال بمسؤولية ومن دون خوف وبتجرد ولكن بضمير حي يراعي كرامة الحرف والقارئ، وهو متوار عن الأنظار والأضواء بعيدا في مكتبه أو وسط هدير المطبعة أو منزويا في احدي غرف شقته الصغيرة ..بعيدا عن حب الظهور أو انتظار ثناء أجوف أو مجاملات تتسم بالأكاذيب والنفاق، وبعيدا عن الأنانية وادعاء البطولات المزيفة ، وبكل تواضع كان يعزو النجاح إلي غيره.. إلي زملائه وتلاميذه الذين يحيطون به.. حتى إلي اصغر عامل ينقر بأصابعه الملطخة بالحبر الأسود علي آلات الطباعة)".
وسيسجل التاريخ في أسف بالغ بان الصحافة في ليبيا قد تأخرت بل وماتت ودفنت يوم صدر حكم الموت علي صحيفة الحقيقة عام 1972، ولكم أن تتخيلوا لو أن هذه المدرسة الصحفية استمرت لكان لنا شأن وأي شأن أمام ما ظهر من تطور تقنـي وصحفي في بلدان كانت في ذلك الوقت لا تعدو أن تكون قرية صغيرة أمام نهضة الصحافة في ليبيا وتطورها .. ولكن سيضل هناك دائما أمل كبير بان الغد أفضل من الأمس ومن اليوم .. وفي هذا اليوم العالمي للصحافة لا املك إلا الدعاء للمرحوم رشاد ألهوني ذلك الجسر الخالد والباقي ما بقيت هناك صحف ..


رجب الشلطامـــــي

بنغازي 3/5/2008 ( اليوم العالمي للصحافة )